تحليل: أمل العراق في زراعته بعدما أودت كورونا بسعر نفطه

0

كان التمر العراقي وخبر تنور أمي زوادتي المفضلة إلى المدرسة أواخر ستينات وحتى أواسط سبعينات القرن الماضي. بعد ذلك الوقت اختفت التمور العراقية من السوق السورية وبدأ المرحوم جدي يسألني بتكرار وعصبية وكأنني خبير زراعة بالولادة، لماذا اختفى التمر العراقي من سوقنا وماذا حل به؟ لماذا اختفت الأغطية الصوفية العراقية من سوقنا، ولماذا ولماذا ولماذا؟

يومها أيضاً غاب عني وعن جدي أن العراق كان يتحول من بلد زراعي- صناعي إلى بلد نفطي بسرعة تحبس الأنفاس على حساب زراعته وصناعته التي أصابها الإهمال والخراب والجفاف والحروب والزحف العمراني وتجريف الأراضي والفساد وقلة الحوافز المقدمة للمنتج الزراعي.

وقد وصل الأمر إلى حد أن هذا البلد الذي كان بطل العالم في إنتاج وتصدير التمور برصيد أكثر من 30 مليون نخلة تحول إلى مستورد لها في الوقت الحالي. ولعل المفارقة أن بلاد النخيل تستورد التمور من دول كانت تعتمد عليه في توفير تمورها على مدى عقود كالسعودية والإمارات.

تطور اقتصادي شاذ في العراق

هذا التحول الشاذ للاقتصاد العراقي افقده هويته الزراعية والحرفية التي راكمت خبرات بشرية وعمرانية وحرفية نادرة تعود إلى أقدم الحضارات الإنسانية. وقد عبر مؤخراً عما وصل إليه حال هذا الاقتصاد المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي مظهر محمد صالح بشكل مبسط وجلي، ففي تصريح  لوكالة الأنباء الألمانية قال المستشار “إن صادرات العراق النفطية تشكل نسبة 98 بالمائة من تدفقات العملة الأجنبية إلى العراق و93 بالمائة من إيرادات موازنة الدولة”.

نعم، وربما وصلت النسبة الأولى إلى 99.9 بالمائة حسب المؤسسة الألمانية للتجارة والاستثمار GTAI.  مثل هذه النسب إن دلت على شئ  فعلى ارتهان اقتصاد بلاد النخيل بشكل شبه أعمى وكامل لريع سلعة واحدة هي النفط،  فكيف إذا تدهورت أسعار هذه السلعة بنسبة تزيد على الثلثين في غضون أسابيع بسبب جائحة كورونا وفشل الدول المنتجة في وقف التدهور.

وهكذا فإن سعر برميل النفط وصل إلى أقل من 20 دولاراً مؤخراً مقابل أكثر من 65 دولاراً في يناير/ كانون الثاني الماضي.

مشكلة تتحول إلى مأزق؟

ويزيد من حدة المشكلة التي تهدد بالتحول إلى مأزق مستعصي الحل أن هذا التدهور يأتي في زمن جائحة خطيرة ومستمرة في بلد لا يستطيع اتخاذ قرارت مهمة بسبب التشرذم السياسي والخلافات المستمرة بين الحكومة المركزية في بغداد وسلطات الأقاليم. وزاد الطين بلة استقالة حكومته التي رأسها عادل عبد المهدي منذ أشهر وهو حتى الآن بدون حكومة بديلة. وجاءت الاستقالة في ظل احتجاجات شعبية ضد فساد النخب الحاكمة وتردي مستوى الخدمات العامة وفي مقدمتها الكهرباء والصحة.

ومن سوء الحظ أن التدهور يأتي أيضاً في وقت وضعت فيه الحكومة ممثلة بالهيئة الوطنية للاستثمار خططاً طموحة لتنويع مصادر الدخل من خلال عشرات المشاريع التي ينبغي أن تساعد على النهوض بالخدمات المذكورة وصناعة البتروكيماويات وزراعات الحبوب والنخيل والخضار والصناعات الغذائية والدوائية.

تجميد المشاريع وإلغائها

على ضوء ذلك ليس من المفاجئ الإعلان عن تجميد المشاريع الحكومية والتي تعتمد على دعم الحكومة أو إلغائها لأن تمويلها يحتاج إلى سعر لا يقل عن 60 دولار للبرميل. ومع استمرار مخاطر كورونا وانهيار سعر النفط فإن الاستمرار في دفع رواتب الموظفين وتمويل استيراد الأغذية والأدوية الضرورية لن يكون مضموناً دون اللجوء إلى الاقتراض، لاسيما وأن الفوائض والاحتياطات المالية اللازمة غير متاحة لاسباب من أبرزها سوء استخدام الأموال العامة وعجوزات وخدمات الدين الخارجي الذي وصل حجمه إلى 70 مليار دولار حسب مؤسسة التجارة والاستثمار الألمانية.

الجدير ذكره على سبيل المثال أن فاتورة استيراد الأغذية والمشروبات والأدوية استهلكت وحدها نحو 15 مليار دولار من مجمل واردت العراق التي بلغت 32.2 مليار دولار عام 2017 حسب المؤسسة الألمانية المذكورة. ويغطي العراق حاجاته من الأدوية عن طريق الاستيراد بنسبة 85 بالمائة.

المطلوب الخروج من التبعية للنفط في العراق الذي يتمتع بزراعة وتقاليد صناعية وحرفية عريقة

ارتهان اقتصاد العراق على النفط يحرمه من تعدد موارده ومصادر دخله ويوقعه في أزمات لا تنتهي

دروس جائحة كورونا بالنسبة للعراق

يواجه العراق هذه الأيام إلى جانب الفوضى السياسية، تحديات اقتصادية تصل إلى حد العجز عن دفع رواتب موظفي الدولة وحصول نقص خطير حتى على صعيد توفير مستلزمات عيش أساسية لمواطنيه. ومع استمرار جائحة كورونا وتبعاتها الكارثية على سوق النفط يصبح استيراد الأغذية والأدوية صعباً، لا بل غير ممكن حتى ولو توفر المال اللازم لذلك بسبب العراقيل المتزايدة أمام التجارة الدولية وتوجه الكثير من الدول إلى تخزين منتجاتها من الحبوب والزيوت والأغذية الأخرى والأدوية ووسائل الوقاية الصحية وغيرها بدلاً من تصديرها في زمن جائحة كورونا.

ولعل أهم درس تعلمه الجائحة بالنسبة إلى جميع الدول أن إنتاج السلع الضرورية من أغذية وأدوية ووسائل الوقاية من الأمراض والأوبئة ينبغي أن يتم بشكل محلي دون إعطاء عاملي الربح والخسارة الأولوية. ومما يعنيه ذلك أن دوراً أكبر للدولة في الاقتصاد قادم لا محالة على حساب نماذج الرأسمالية المتوحشة وما أكثرها.

تعاني حقول النخيل العراقية حتى يومنا هذا من التخريب بسبب الزحف العمراني والتوسع في إنتاج النفط

العراق بلد النخيل ومن لا نحصل فقط على الثمار بل أيضا على مواد البناء وصناعات حرفية متعددة

تطورات إيجابية ينبغي البناء عليها

حقق العراق رغم الظروف السياسية والتحديات الأمنية التي واجهها خلال السنوات القليلة الماضية تطورات إيجابية في المجال الزراعي لا تقلل من أهميتها استمرار تجريف الأراضي الزراعية وحقول التمر بسبب التوسع العمراني وحقول النفط الجديدة في أكثر من منطقة وخاصة في الجنوب وحول البصرة.

ويدل على هذه التقدم الحاصل على سبيل المثال توقع وصول إنتاج الشعير إلى 4 ملايين طن والقمح  إلى 6 ملايين طن للموسم الحالي ما يعني أكثر من تحقيق الأكتفاء الذاتي من هاتين السلعتين. وهناك تقدم مشابه في إنتاج التمور المخصصة للعلف والبيض والخضار وبعض الفواكه بفضل تشجيع الدولة للإنتاج الزراعي عن طريق تقديم الأسمدة والبذور ومستلزمات إنتاج أخرى بأسعار مدعومة، إضافة إلى شراء الحبوب المنتجة محلياً بأسعار تشجيعية تزيد على السعر العالمي.

ابراهيم محمد، الخبير في الشؤون الاقتصادية والسياسية

ابراهيم محمد: من المعيب أن يكون العراق بلد نقطي وهو من البلدان التي أوجدت الزراعة قبل آلاف السنين

ولا يقلل من أهمية هذه الانجازات عمليات الاحتيال وسوء استخدام الدعم الحكومي من قبل نافذين وفاسدين في مؤسسات الدولة المعنية وجهات أخرى تمكنت من الحصول على منتجات ليست عراقية الأصل. لكن ورغم هذه التجاوزات التي يمكن القضاء عليها أو الحد منها على الأقل عن طريق تفعيل دور مؤسسات الرقابة والمحاسبة، فإن على العراق في في كل الأحوال وخاصة في هذه الظروف البناء على زراعته وإعادة صناعاته الاستهلاكية الخفيفية بأسرع وقت ممكن بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الأساسية على الأقل.

ويساعد على ذلك وجود الخبرات البشرية المحلية والأراضي الزراعية الخصبة. كما أن الأموال اللازمة لدعم المنتج الزراعي العراقي لا تشكل سوى جزء يسير من الأموال التي تم تخصيصها لإقامة مشاريع أخرى كمشاريع الكهرباء دون تحسن ملموس خلال السنوات القليلة الماضية. والآن تبقى الكرة في ملعب الدولة العراقية التي ينبغي عليه تجاوز عمليات الفساد التي تطال الزراعة وتقديم الدعم لمن يستحقه من المنتجين دون غيرهم.

ابراهيم محمد

اضف تعليق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.