علاء الأسواني: جمعية الشامتين في الإنسانية..

0

العالم كله يواجه وباء كورونا. كل يوم يسقط مئات الضحايا والعلماء يتسابقون من أجل التوصل إلى لقاح يمنع الوباء أو علاج ينقذ الضحايا من الموت. في خضم هذه الحرب ضد الوباء ترتفع أصوات في مصر والعالم العربي تقرأ المحنة بشكل مختلف وتقدم النظريات التالية:

أولاً: إن وباء كورونا عقاب من الله بسبب تفشي المعاصي وكثرة الذنوب

معظم من يتبنون هذه النظرية من العرب والمسلمين وان كان هناك بعض المتدينين المسيحيين في أمريكا يرددون نفس الكلام. هذا التفكير الخرافي لا علاقة له بالدين الصحيح وهو يحمل تناقضا كبيرا لأن الله في كل الديانات يمثل العدل وأول قواعد العدل أن تكون المسئولية شخصية فيحاسب كل إنسان على أفعاله وليس أفعال الآخرين.

يقول القرآن الكريم “ولا تزر وازرة وزر أخرى” (سورة فاطر الآية 18)

هل من العدل أن يهلك الله آلاف الناس بالوباء انتقاما من عشرات أو حتى مئات العصاة؟ إن الله أعدل من أن يمارس ضدنا الإبادة الجماعية لأنه غاضب من تصرفات بعضنا. لقد خلق الله الكون ووضع له قوانين وخلق لنا العقل والإرادة حتى نستعمل القوانين بطريقة صحيحة. لقد انتشر الوباء بسبب فيروس كورونا كما حدث من قبل في تاريخ البشرية ولسوف نتوصل إلى علاج هذا الفيروس كما توصلنا إلى علاج آلاف الأمراض بفضل البحث العلمي. 

ثانياً: إن وباء كورونا عقاب من الله للدول الكبرى على جرائم الحرب التي ارتكبتها في أفغانستان والعراق واليمن

هذه النظرية يرددها بعض المتدينين بحماس ثم يتساءلون:

“ماذا فعلت الأسلحة للدول الغربية؟ هل حمتهم من الموت؟ إنهم يموتون وأسلحتهم لا تغني عنهم شيئا”.
هذه مغالطة كبرى لأن ضحايا كورونا يتساقطون في  كل مكان وليس فقط في الدول الغربية. انظر إلى سنغافورة أو نيوزيلندا أو كوريا الجنوبية أو تايوان أو اليابان. هذه الدول لم ترتكب أي جرائم حرب، فلماذا يعاقبها الله بالوباء؟ أضف إلى ذلك أن الغالبية العظمى من ضحايا كورونا ليسوا من العسكريين، بل هم مواطنون مدنيون كما أن الحركات الشعبية المناهضة للحرب قوية ومنتشرة في كل البلاد الغربية بل ان جرائم الحرب التي ارتكبتها الجيوش الغربية كشف عنها دائما صحفيون غربيون. كيف يعاقب الله مواطنا غربيا على جرائم الحرب التي ارتكبها جيش بلاده إذا كان هذا المواطن أول من اعترض على هذه الجرائم وفضحها؟

ثالثاً: إن الله قد ابتلانا بوباء كورونا حتى يثبت لنا أن كل التقدم العلمي الذي أحرزته الإنسانية يقف عاجزا أمام إرادة الخالق

هذه النظرية يرددها بعض رجال الدين وهم يضربون مثلا بعلم الذكاء الصناعي الذي أدى إلى صناعة الإنسان الآلي فكان لا بد – في رأيهم-  من وباء كورونا ليثبت لنا الله ضعفنا وتفاهتنا أمام قدرته. المشكلة في هذا الرأي انه يعتبر التقدم العلمي تحديا لإرادة الله، بينما المؤكد أن التقدم العلمي الذي أنقذ حياة ملايين الناس وجعل حياتهم مريحة يستحيل أن يغضب الله، لأن الله لا يكرهنا بل هو يحبنا وقطعا يحب لنا الخير كما أن الباحث العلمي الذين يخترع شيئا مفيدا للإنسانية يستعمل عقله وعلمه وإرادته وكلها منح من ربنا سبحانه وتعالى.. المؤسف أن ترديد هذا الكلام في بلادنا العربية المتخلفة علميا قد يقنع المتدينين أن العلم يحارب الدين وأن عليهم أن يدرسوا العلوم الدينية لأنها أهم وأحب عند الله من البحث العلمي.

رابعاً: إن وباء كورونا قد فضح الديمقراطيات الغربية وأثبت أنها زائفة كذابة

هذه النظرية يقدمها أنصار الاستبداد وأحباء الديكتاتور في العالم العربي. لا ينكر أحد أن انتشار الوباء قد فاق الاستعدادات الطبية في البلاد الغربية المتقدمة لكنها سرعان ما استطاعت أن تتخذ من الإجراءات، ما يجعل السيطرة على الوضع ممكنا بل ان  بلدا مثل ألمانيا قد استعدت للوباء مبكرا بكفاءة وسيطرت على انتشاره إلى حد كبير. 

يجب أيضا أن نتذكر أن الحكومات الديمقراطية تعلن دائما الأرقام الحقيقية للضحايا لأنها تخضع لرقابة البرلمان والإعلام الحر، أما الأرقام التي تعلنها الأنظمة الاستبدادية فهي غالبا أقل من الحقيقة بكثير ولا يستطيع أحد أن يراجعها. وكل من يجرؤ على تكذيب البيانات الرسمية في مصر أو إيران أو الصين يتم إلقاؤه في السجن فورا.

إن إعلام السيسي الذي تديره المخابرات يبث على مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات مفبركة للتدليل على فشل الديمقراطيات الغربية، فمرة قدم مشاجرة حدثت في المكسيك من سنوات في محل تجارى على أنها حدثت هذه الأيام في أمريكا بسبب شح الطعام،  ومرة أخرى قام ببث فيديو للبوليس الفرنسي وهو يقبض على  متظاهر وقدمه على أن الحكومة الفرنسية تطرد مرضى كورونا من المستشفى بدون علاج لأنهم ليسوا فرنسيين!!

هذا التضليل الغرض منه دعم الديكتاتورية في مصر. الغرض أن يشاهد المواطن المصري هذه الفيديوهات فيقول:

“إذا كانت كل هذه المآسي تحدث للناس في الدول الديمقراطية فلا بد أن أحمد ربنا على حالتنا في مصر تحت قيادة السيسي”.

في ظل المحنة التي يمر بها العالم لا يجب علينا أن نمارس الشماتة التي يجرنا إليها التعصب الديني أو الجهل أو تضليل إعلام الديكتاتور. يجب أن نؤمن أن انتماءنا للإنسانية يسبق أي انتماء آخر وأن التوصل لعلاج هذا الوباء سيكون نصرا عظيما للبشر جميعا بغض النظر عن أديانهم وجنسياتهم.  

الديمقراطية هي الحل

[email protected]

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة عن رأي مؤسسة DW.

اضف تعليق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.