الاحتلال الألماني لليونان .. معالجة مشتركة لماضٍ أليم

0

إنه يوم ربيعي دافئ في سالونيكي. أنا وزميلتي أليكسيا نذهب معا لنتجول على شاطئ البحر. وبإمكاننا فعل ذلك مجددا، بعد أن كان من المحظور طوال أسابيع، في إطار إجراءات كورونا، التجول على الشاطئ. والآن فتحت المدينة أسيجة الحجر الصحي. وفي الأسابيع الأخيرة تحولت سالونيكي تحت إجراءات مكافحة الفيروس إلى هيكل عظمي، فالحياة التي كانت تعج بالنشاط عبر الأزقة الضيقة تحولت إلى الجمود. فالحانات  والمقاهي والمطاعم أُغلقت. والآثار التاريخية القديمة تلقي بظلالها على الساحات الفارغة. سالونيكي هي مدينة التحول المستمر، التي تكتشف نفسها عبر القرون والعقود وهي مكسوة بغطاء التنوع الذي يمكن شقه بطرح أسئلة والبحث في الماضي والمقارنة.

اكتشاف التاريخ اليهودي

فصل منسي من تاريخ سالونيكي يجد ببطء الطريق نحو ذاكرة الناس: الماضي اليهودي. وحوالي 1000 يوناني يهودي يعيشون اليوم في سالونيكي. هناك منهم عدد ليس بالقليل يحاول التستر على الهوية اليهودية أمام الرأي العام. وقبل أن يستعمر الجيش الألماني البلاد التي عمها الجوع والألم ونقل اليهود إلى معسكرات الاعتقال، كانت المدينة معروفة بـ”قدس البلقان”.

ويعود تاريخ سالونيكي إلى أكثر من 2000 عام. وفي أواخر القرن الـ 15 الميلادي استقر فيها اليهود السفارديم من إسبانيا الذين طردهم الكاثوليك الإسبان. وشاركوا في تشكيل الحياة في سالونيكي وحولوها إلى “الأم إسرائيل”. كان نصف مجموع سكان سالونيكي يدين باليهودية وممثلا في جميع طبقات المجتمع. وبعدما قتل النازيون نحو 97 في المائة من اليهود الـ 50.000، الذين كانوا يعيشون هناك في الأربعينات، أسدل عليهم ستار النسيان لسنوات طويلة. “لم نتعلم شيئا في المدرسة عن السكان اليهود للمدينة”، تقول ألكسيا. وسألتُ الكثير من الناس في سالونيكي عن تاريخهم اليهودي وتبين أنهم لا يعرفون الكثير.

التاريخ الألماني في اليونان

فلوريان شميتس، مراسل دويتشه فيله في سالونيكي

فلوريان شميتس، مراسل دويتشه فيله في سالونيكي

العمل كصحفي ألماني في هذه المدينة هو نوع من الرسالة. فتحت كل حجر أقلبه أجد روابط جديدة مع لتاريخي الخاص، دليلا على الجرائم الفظيعة التي ارتكبها جيل أجدادي هنا. جدي في اليونان هنا أثناء الاحتلال. وأتحدث في الغالب مع أناس أُجبروا على مشاهدة كيف أن الجيش النازي ذبح عائلاتهم وأصدقاءهم أمام أعينهم. ولم يحصل الغالبية على أي “سنت” من التعويضات. فهل كان جدي جزءً من هذه الجرائم؟

الحديث مع اليونانيين حول الاحتلال والمحرقة (الهولوكوست) يُعتبرا تحديا. وكألمان كنا متعودين على مناقشة الماضي بيننا. لكنه أمر مختلف التعامل مع أشخاص يبقى تاريخهم غير معروف تقريبا في ألمانيا. وفقدت اليونان مئات الآلاف من الضحايا تحت الاحتلال الألماني، الذي جاء بعده الحرب الأهلية والديكتاتورية. ولا نعرف شيئا عن ذلك في ألمانيا. وعند التعامل مع موضوع الحرب نفضل البقاء بيننا، والضحايا يبقون بعيدين عنا.

وأثناء الحديث مع ألكسيا يتضح لي مجددا أن تاريخ الحرب العالمية الثانية لم يُستنفد بعد. وأثناء نقاشنا يتلاحم وعينا التاريخي وتمتلأ ثقوب سوداء بالمعرفة. “لقد اعتنيت متأخرة بالتاريخ اليهودي”، تقول ألكسيا. والأمر نفسه ينطبق عليّ وعلى الاحتلال الألماني في اليونان، على ما أعتقد.

الأطفال اليهود لمدينتي

أليكسيا كالايتزي، صحفية من سالونيكي

أليكسيا كالايتزي، صحفية من سالونيكي

يصف فلوريان شعوره عندما سمع لأول مرة عن الفتاة اليهودية “آنه فرانك”. وأتذكر أنا أيضا. لقد كان عمره ثماني سنوات، ولابد أن عمري كان حوالي اثني عشر عاما. وكلانا يتذكر أنه كان من الصعب أن نفهم فظاعة وظلم الهولوكوست في ذلك السن. والآن وبعد سنوات طويلة أتساءل لماذا لم أتعلم شيئا في المدرسة عن إستير وسابيتاي كامي، تلميذتين، 13 و 9 سنوات قُتلتا في معسكر الاعتقال “أوشفيتس”. وقبل الحرب العالمية الثانية كان نحو 7500 طفل يهودي يذهبون إلى مدرسة مدينتي. والقليل منهم نجوا من الهولوكوست. ولم يتم أبدا ذكر أسمائهم بالرغم من أن ملفاتهم موجودة في صناديق موصدة في قبو المدارس. وطوال سنوات ساد الصمت في مدينتي عندما كان الأمر يتعلق بالماضي اليهودي.

ولذلك أنا (ألكسيا) سعيدة للغاية لكون مؤرخ ومؤرخة شابين من سالونيكي طرحا أسئلة وفتحا تلك الصناديق وكشفا عن أسماء 1450 تلميذ يهودي. إنهما كريستوس خازيوأنيديس وزميلته أغيليكي غافرييلوغلو، اللذان طورا مع المتحف اليهودي ومعهد الدراسات اليهودية لجامعة أريستو وأرشيف الجالية اليهودية مشروع “رسم خرائط الذاكرة” (Mapping the Memory). وقد طور خبير البرمجيات كريستوس بانوغرياس خريطة تفاعلية يمكن للمرء من خلالها تتبع أين عاش الأطفال.

الماضي الذاتي ـ أفق جديد

شعرت بالصدمة عندما حكى فلوريان أنه قلما يُعرف شيء في ألمانيا عن الاحتلال الألماني في اليونان. لكني أعرف منذ طفولتي الجرائم التي ارتكبها جيش هتلر في بلادي. وفي آن واحد يتساءل فلوريان كيف تمكنت مدينة من تجاهل تاريخها اليهودي. فالذكرى الانتقائية خطيرة، لاسيما في الأوقات الصعبة التي توجد أمامنا. والجروح التي تخلفها الحرب داخل مجتمع تُشفى بصعوبة، فهي في الغالب تنتقل من جيل لآخر. جدتي فقدت شقيقها في الحرب الأهلية. لكن جيلنا يجب أن يكف عن توجيه الاتهامات للآخرين ويجب أن نبين بأننا تعلمنا شيئا من التاريخ.

محطة القطار القديمة في سالونيكي: من هنا بدأ تهجير اليهود إلى معسكرات الاعتقال النازية

محطة القطار القديمة في سالونيكي: من هنا بدأ تهجير اليهود إلى معسكرات الاعتقال النازية

ومن خلال الانترنت وبرنامج التبادل الدراسي الأوروبي “إرازموس” ومن خلال أوروبا نحن اليوم على تواصل. والكثير من أصدقائي يعيشون في الخارج أيضا في ألمانيا. “لا أشعر بالذنب فقط لأنني ألماني. لكنني أتحمل المسؤولية، لأنني أعرف جرائم النازيين”، يقول فلوريان. لقد حان الوقت كي نفكر من جديد معا في ماضينا. فالسلام ليس ببساطة إعلانا سياسيا، إذ يمكن الحفاظ عليه فقط عندما نتذكر معا وعندما نتقمص موقف الآخر ونفهم بأننا جميعا على ظهر نفس السفينة.

فلوريان شميتس/ ألكسيا كلايتسيس/ م.أ.م

اضف تعليق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.