بحذر وترّقب وخوف.. هكذا ينظر عرب لعودة الحياة إلى برلين

0

مع ارتفاع درجة الحرارة قليلاً في العاصمة الألمانية برلين وتخفيف الحكومة الألمانية لقيود التباعد الاجتماعي، اقتربت الأمور من العودة إلى “الحياة الطبيعية” لحد ما، وقد تجسّد ذلك بشكل أساسي في حركة الناس في الشوارع والمواصلات والفضاءات العامّة، بما في ذلك عودة المطاعم للعمل بشكل محدود، وعودة البعض إلى ممارسة أعمالهم خارج البيوت.

وظهر الأمر جليا الأسبوع الماضي خلال يوم الإجازة الرسمية بمناسبة “يوم الأب” و”عيد الصعود” المسيحي، حيث بدت الأمور شبه طبيعيةفاندفع الناس وخصوصا الشباب إلى الحدائق العامة ومناطق الأنهار والبحيرات للاستمتاع والاحتفال بينما كانت الشرطة تراقب قواعد التباعد الاجتماعي وتطلق تعليمات عبر مكبرات الصوت من أجل الالتزام بها.

عودة الحياة.. سعادة وقلق أيضا!

أنيس حمدون كاتب ومخرج مسرحي سوري مقيم في برلين

أنيس حمدون: صمت الحجر يذكرني بحمص والناس لم تعد تتحمله

تجولت DW عربية في حيّ كرويتسبرغ بوسط العاصمة الألمانية، ذلك الحي الذي يقطنه عدد كبير من الفنانيين والطلاب وبه جالية تركية كبيرة ويسكنه عرب أيضا. كان العابرون في الشوارع يزداد عددهم، وكانت المشاهد في الحدائق العامّة أشبه بأيام ربيع دافئة من العام الماضي، من زمن ما قبل كورونا.

لكن ذلك لا ينفي أن الفيروس ما زال موجوداً وكذلك أيضاً تحذيرات تجنب العدوى به. فكيف تبدو العودة الحذرة للحياة؟

التقت DW عربية بأنيس حمدون، وهو كاتب ومخرج مسرحي سوري، أخبرنا بأنه مع بداية العزل أو الحجر الصحي بسبب فيروس كورونا في نهاية مارس/ آذار الماضي نزل إلى الشارع لتفحص أجواء الهدوء، وتابع: “أتذكر الأصوات أكثر من أي شيء آخر، عندما نزلت إلى الشارع في الحي البرليني الذي أسكنه، كان صوت الصمت فيه يشبه صوت مدينتي حمص عند بداية الثورة”. ويضيف حمدون: “شعرت بخوف ما، أشبه بالشعور أن المخابرات السورية ستأتي إلى بيتي، قبل أن أعود إلى واقع كورونا”.

بوابة براندبورغ أشهر معالم برلين، وقد خلت من المارة في بداية شهر مايو/ أيار 2020

يقول أنيس حمدون إن الصمت الناتج عن خلو الشوارع من المارة كان يشعره بخوف ما وأن المخابرات السورية ستأتي إلى بيته.

لكن الآن وبعد مرور أسابيع عصيبة تغيرت الأوضاع وبدأ تخفيف قواعد العزل الصحي فذهب حمدون يوم الجمعة الماضية للقاء أصدقائه في حديقة عامّة في شرق برلين، بمناسبة عيد ميلاد صديقته ويقول: “لم يكن السلام بالكوع هذه المرة”، ويتابع: “أنا سعيد لعودة الحياة، مع الإدراك أن العودة الكاملة ليست صحيحة، خاصة مع ارتفاع نسبة العدوى وعدم وجود تطعيم ضد الفيروس بعد”.

وبنفس الوقت، يرى حمدون أن الناس لم تعد تستحمل الحجر، وأن الحديقة التي زارها، كان فيها الكثير من الناس، كباراً وصغاراً، ويتابع: “أثار فضولي رجل في الستينات من عمره، كان يرتدي ثياباً جميلة ويتمشى في الحديقة متأملاً الناس ومبتسماً، يذهب باتجاه مجموعة من الفتية يعزفون الموسيقى، يقف إلى جانبهم ويبتسم، ومن ثم جاء باتجاهنا، وقف إلى جانبنا وابتسم، أعتقد أنه كان حذراً من الاقتراب من الآخرين، لكنه كان سعيداً أيضاً بعودة الحياة”.

ويختم حمدون حديثه قائلاً: “ما يقلقني هو أن هذه العودة لا تعني أن المرض اختفى، إنما جاءت من الحاجة لإنقاذ عجلة الإنتاج، وهذا شكل ما من التضحية بالبشر”.

الحرص أصبح أقل

علياء أسعد، مديرة إنتاج في مجال التكنولوجيا ببرلين

علياء أسعد، مسرورة بعودة الحياة بعد حظر كورونا لكنها تخاف وقوع موجة ثانية من العدوى.

أما علياء أسعد، والتي تعمل كمديرة إنتاج في حقل التكنولوجيا، فما زالت تداوم من منزلها، حيث توقف الذهاب إلى الشركة مع بداية الحجر الصحي. وفي ظل هذه الظروف، تذهب علياء بشكل شبه يومي إلى النهر بالقرب من بيتها، لاحتساء قهوتها هناك قبل بدء عملها، ومع عودة الحياة بشكل ما إلى طبيعتها، ترى أن الاختلاف فقط هو بتصرف الناس في الفضاءات العامّة، الذي أصبح أقل حرصاً، حسب تعبيرها.

وعن هذا تضيف علياء: “سعيدة بإعادة فتح المطاعم، ولكن الوباء جاء في أجواء ربيعية، وفي الخارج الطقس دافئاً، فعودة المطاعم لم تؤثر عليّ، لأني أقضي معظم وقتي في المساحات المفتوحة”. وتتابع: “الحدائق كانت مليئة منذ أوّل يوم في الحجر الصحي، حتى مع كمامات، أتابع حركة الناس وممارستهم للرياضة كل صباح وهم يرتدون الكمامات، ويبتعدون مسافة عن الآخرين، اليوم أعتقد أن حرص الناس أصبح أقل مع تخفيف القيود”.

وتختم حديثها مع DW عربية: “ما يخيفني اليوم هو إمكانية حدوث موجة ثانية من كورونا، وأن تأتي مثلاً في شهر أكتوبر/ تشرين الأول عندما يكون الطقس بارداً وكئيباً”.

بدأ الخوف الآن ويجب مواصلة الحذر

فيندا جلبي، كاتبة وحقوقية وأم لطفلين

فيندا جلبي تخاف على طفليها من عودة رياض الأطفال لكنها تثق في قرارات الحكومة الألمانية وحرصها على المواطن

عاش ويعيش الأمهات والآباء ظروفاً تختلف عن من هم بلا أطفال، فالصغار ليسوا مثل الكبار في إدراك أهمية البقاء بالمنزل. وفي ألمانيا، في ظل الحجر الصحي، سُمح للأشخاص من إسرة واحدة بالخروج معا إلى الفضاءات العامّة. ورغم بعض القيود المفروضة على هذا الخروج إلا أن الأمر شكل تخفيفا عن كاهل كثير من الأهالي.

وبالنسبة لفيندا جلبي، وهي كاتبة وحقوقية سورية وأم لطفلين، جاءت إلى ألمانيا عام 2012، فقد عاشت وعائلتها في عزلة كاملة في الفترة الماضية، قبل عودة الحياة إلى طبيعتها قليلاً في برلين. وتوضح جلبي: “عندما كنا جميعا بالبيت، كان كل شيء تحت السيطرة، وإجراءات الحجر لم تكن متشددة، لذلك استطعنا الخروج مع الأطفال إلى الشارع وقضاء وقت خارج البيت”.

ومع توسيع برلين لعملية تخفيف القيود على عودة الأطفال لرياض الأطفال أو الحضانات بداية من منتصف مايو/ أيار تغيّر الوضع بالنسبة لفيندا، وعن هذا تقول الأم لطفلين: “مع عودة الأطفال إلى الحضانة، بدأ الخوف. من المؤكد أن الحضانة تتخذ إجراءات معينة للحماية من الإصابة بالفيروس، لكن هنالك شيء ما خرج عن سيطرة البيت، وارتبط أكثر بالمجهول”.

وتقول الكاتبة السورية في حديثها مع DW عربية إنها لا تعلم إلى أي مدى يمكنها أن تكون واثقة بتخفيف السلطات للقيود وأسباب ذلك التخيف “هل لأن النظام الصحي يتحمّل المرضى أم خوفاً على الاقتصاد؟”.

وتؤكد فيندا “نحن في ألمانيا نثق في النظام لأنه يحترم حقوق الإنسان ومواطنيه”، وتتابع بالقول “لكن بنفس الوقت، الفيروس موجود لذلك يجب أن نواصل الحذر”.

رشا حلوة – برلين

اضف تعليق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.