ترامب وتويتر – معركة عض الأصابع.. من يصرخ أولاً؟

0

صراع جديد يخوضه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكن ساحته هذه المرة قد تمثل خطورة كبرى سواء على طموحاته في تولي رئاسة ثانية، أو حتى على مستوى الأسس الديمقراطية التي قامت عليها الولايات المتحدة.

اندلع النزاع بين الرئيس الأمريكي المغرم بموقع التغريدات القصيرة تويتر – والذي يتابع حسابه نحو 80 مليون حساب – وبين إدارة الموقع، بعد تغريدة كتبها ترامب زعم فيها أن الاقتراع عبر البريد سيؤدي إلى تزوير الانتخابات على نطاق واسع.

“إدعاءات لا أساس لها”

تغريدة ترامب دفعت المنصة لإضافة إخطار على شكل علامة تعجب زرقاء تحت التغريدتين تحثّ القراء على “تقصي الحقائق حول الاقتراع بالبريد”، ليتم توجيههم إلى صفحة تحتوي على مقالات ومعلومات تحت اسم “ما تحتاج إلى معرفته” يصحح فيها تويتر ثلاثة إدعاءات في تغريدات ترامب مع عبارة: “ترامب يدلي بادعاء لا أساس له بأن الاقتراع بالبريد سيؤدي إلى التلاعب بأصوات الناخبين”.

جاك دورسي الرئيس التنفيذي لشركة تويتر نشر عدة تغريدات متلاحقة اوضح فيها سبب الموقف من تغريدات ترامب قال فيها: “سنستمر في الإشارة إلى أي معلومات غير صحيحة أو متنازع عليها حول الانتخابات على مستوى العالم. وسوف نعترف بأي أخطاء نرتكبها في هذا السياق”.

استشاط ترامب غضباً وكتب تغريدة أخرى قال فيها إن تويتر يخنق حرية التعبير، وهدد باتخاذ إجراءات ضد مواقع التواصل قد تصل إلى حد إغلاقها، مشيراً إلى أن “هناك حاجة للتنظيم لأن هذه الشركات لم تعد منتديات محايدة بل تنخرط في “نشاطات سياسية”:

تهديدات ترامب لم تنجح في تخويف تويتر، إذ قامت إدارة الموقع بتصنيف تغريدة جديدة للرئيس الأمريكي بأنها “تمجد العنف”، إذ غرد قائلاً: “تكلمت للتو مع الحاكم تيم وولز وقلت له إن الجيش سيكون الى جانبه. عند أي مشكلة، عندما تبدأ عمليات السطو، يبدأ إطلاق النار. شكرا!”. ويمكن تأويل هذه الرسالة بأنها تحريض لقوات الأمن على استعمال أسلحتها.

كان منشور ترامب يتعلق بتكثيف الاحتجاجات في مينيابوليس بعد وفاة جورج فلويد ، وهو رجل أسود تم تصويره وهو يتنفس بصعوبة  بعدما ضغط  شرطي أبيض على رقبته، وانتقد ترامب المتظاهرين ووصفهم بأنهم ” سفاحون “.

وقد أخفى موقع “تويتر” التغريدة، مع الإبقاء على إمكانية قراءتها عند الضغط عليها. وأعلن في بيان أن “هذه التغريدة انتهكت قواعد تويتر بشأن تمجيد العنف”. لكن تويتر قرّر أنه قد يكون من مصلحة الجمهور أن تظل التغريدة متاحة.

متحدث باسم تويتر أكد أن هذه هي المرة الأولى التي يطبق فيها إخطار لتقصي الحقائق على تغريدات من الرئيس الأمريكي، في امتداد لسياسته الجديدة “للمعلومات المضللة” التي بدأ العمل بها هذا الشهر لمكافحة المعلومات المضللة بشأن فيروس كورونا.

 ومنذ محاولات التلاعب بالانتخابات الأمريكية عام 2016، استثمرت فيسبوك وتويتر بشكل مكثّف في مكافحة المعلومات المضلّلة أو المنشورات المحرضة على العنف. وكثيراً ما حظرت حسابات أو حذفت تغريدات في هذا السياق سواء يديرها أفراد أو تقف خلفها دول وأنظمة حكم، لكن ذلك لم يكن يطال تغريدات القادة السياسيين أو من لديهم حسابات موثقة، إلا أن المعركة التي يبدو أنها قد تأخرت وصلت أخيراً إلى البيت الأبيض.

الأمر التنفيذي.. مقصلة ترامب لمعارضيه

ترامب نفذ وعيده ووقع قراراً بإلغاء الحماية القانونية التي تتمتع بها مواقع التواصل الاجتماعي، وهو القرار الذي إن تم تفعيله فستصبح هذه المواقع عرضة للمساءلة القانونية وللمزيد من القيود الحكومية.

وتمنح مسودة الأمر التنفيذي الجديد الوكالات الفدرالية إمكانية تعديل طريقة  تنفيذ القانون، الأمر الذي قد ينتج عنه في النهاية معاقبة تلك المواقع بتهم تقييد حرية التعبير والتآمر مع الحكومة الصينية ضد الولايات المتحدة. لكن قانونيين ومختصين توقعوا أن يواجه القرار تحدياً قانونياً وقد لا يستطيع تحقيق أهدافه في النهاية.

وفيما يبدو تمهيداً لطبيعة الاتهامات التي قد توجه إلى شركات التقنية وعلى رأسها تويتر، غرد ترامب قائلاً: “تويتر لا يفعل شيئًا بشأن كل الأكاذيب والدعاية التي تطلقها الصين أو حزب اليسار الديمقراطي الراديكالي. لقد استهدفوا الجمهوريين والمحافظين ورئيس الولايات المتحدة. يجب إلغاء القسم 230 من قبل الكونغرس. حتى ذلك الحين ، سيتم تنظيم الأمر”

مارك زوكيربيرغ مؤسس ورئيس شركة فيسبوك بدا وكأنه يخشى من تبعات ما أقدم عليه موقع تويتر فحاول النجاة بنفسه سريعاً فقال في تصريحات لمحطة فوكس إن فيسبوك وشركات التواصل الاجتماعي الأخرى يجب أن تتجنب مراقبة المحتوى على منصاتها.

وأضاف زوكيربيرغ أن منصات التواصل لا يجب أن تكون حكماً على حقيقة على كل ما يقوله الناس على الانترنت، “لكن الحكومة التي تختار حجب منصّة لأنها قلقة من موضوع الحجب لا يبدو لي أنها تقوم برد الفعل الصحيح”.

رفع الحماية القانونية 

ويعتمد ترامب في هذا القرار على “قانون آداب الاتصالات” الذي شُرّع في عام 1996ويمثل حجر زاوية في تنظيم الإنترنت بأمريكا، وتخضع بمقتضاه شركات التقنية العملاقة ومواقع التواصل الاجتماعي للحصانة من أي تتبع قانوني مرتبط بالمحتوى الذي تنشره جهات ثالثة، ويمنحها حرية التدخل في سير منصاتها، وذلك وفق الفقرة 230 من القانون . لكن قرار ترامب الجديد في مسودته يعتبر أن وسائل التواصل الاجتماعي لا يجب أن تتمتع بهذه الحماية بعد الآن باعتبار “انتفاء طابع حسن النية” عن عملها.

 وتقول مسودة القرار إنه “في بلد طالما اعتز بحرية التعبير، لا يمكننا السماح لعدد محدود من منصات الإنترنت باختيار الخطاب الذي يمكن للأمريكيين الوصول إليه ونقله عبر الإنترنت”… “هذه ممارسة غير أمريكية ومعادية للديمقراطية في الأساس. وعندما تمارس شركات وسائل التواصل الاجتماعي الكبيرة والقوية الرقابة على آراء تخالف رأيها، فإنها تمارس قوة خطيرة”.

واتهمت مسودة القرار مواقع التواصل الاجتماعي بأنها “تتذرع بمبررات لا منطقية ولا أساس لها، لفرض الرقابة أو معاقبة خطاب الأمريكيين”… كما تعيب المذكرة على شركة غوغل على سبيل المثال “مساعدة الحكومة الصينية في مراقبة مواطنيها” كما تتهم موقع تويتر بنشر الدعاية الصينية وبأن فيسبوك يستفيد من الإعلانات الصينية.

انتقادات حادة

قرار ترامب انتقده كثيرون واعتبروا أنه يمهد لعهد جديد من الديكتاتورية لم تشهدها الولايات المتحدة من قبل، وكان السيناتور رون وايدن (ديمقراطي) أحد هؤلاء المنتقدين إذ اتهم ترامب بإرهاب منصات وسائل التواصل الاجتماعي بهدف إجبارها على بث “نشراته المضللة” وأن ترامب  يهاجم البند 230 “لأنه يحمي حقّ الشركات في منع نشر أكاذيب:

كما علق مات شرورز، رئيس جمعية صناعة الكمبيوتر والاتصالات، وهي جماعة ضغط لصالح قطاع التكنولوجيا، معتبراً أن هذا النوع من “الانتقام” يليق بـ”بالأنظمة الاستبدادية الأجنبية أكثر من الولايات المتحدة”، فيما اعتبر “الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية”، وهو منظمة غير حكومية، أن الأمر التنفيذي يشمل “تهديداً صارخاً ومناقضاً للدستور لمعاقبة المنصات التي تثير استياء الرئيس”.

ترامب ووسائل الإعلام.. حرب طاحنة 

ويخوض ترامب حروبا مستعرة مع الصحافة الامريكية والمراسلين منذ تولى منصبه معتبراً أن حسابه على تويتر هو منصة التواصل الوحيدة التي لا تخضع “لأعدائه” ومعارضيه من الديمقراطيين. وكثيرا ما اتهم صحفاً ومحطات تلفزة مثل سي ان ان و واشنطن بوست ونيويورك تايمز بأنها تنشر اخبارا كاذبة وانها تعادي الامة والشعب الأمريكي، وهي المنصات التي نشرت- وغيرها- عشرات الموضوعات التي تتحدث عن خطورة ما ينشره ترامب من معلومات مغلوطة وكاذبة

وليس أدل على ذلك من تصريحات ترامب لدى سؤاله عن احتمال أن يقفل حسابه على تويتر، إذ هاجم وسائل الإعلام، قائلاً: “لو كانت لدينا صحافة نزيهة في هذا البلد، لفعلت ذلك في ثانية”. 

وهناك رواية شبه متفق عليها في الدوائر المحيطة بالرئيس الامريكي وحملته الانتخابيه ومستشاريه المقربين بأن الإعلام الأمريكي بشتى أشكاله يفرض رقابة شديدة للغاية على كل ما ينشره اليمين الأمريكي “المحافظ” وهو ما يرى ترامب أنه حان الوقت لوقفه. يدعم ذلك ما قاله براد بارسكيل، مدير حملة ترامب الانتخابية: “نعلم دائماً أن وادي السيليكون سيبذل قصارى جاهدة لعرقلة ومنع الرئيس ترامب من توصيل رسالته للناخبين”.

 سجالات حادة خاضها ترامب مع الكثير من الصحفيين والمراسلين

سجالات حادة خاضها ترامب مع الكثير من الصحفيين والمراسلين

 ويستعر منذ أشهر النقاش حول الحصانة التي تتمتع بها منصات التواصل الاجتماعي، ويتجاوز الأمر بكثير مجرد الخلاف بين دونالد ترامب وتويتر، فقد برزت أصوات من اليمين واليسار منذ بضعة أعوام لإجبار شبكات التواصل الاجتماعي على تحمل مسؤولية أكبر والتدقيق في المحتوى الذي ينشر عليها. 

ويتحدث مراقبون ومحللون أمريكيون عن أن أحد الأهداف الكبرى لحملة ترامب المقبلة ستكون وضع كافة وسائل الإعلام وخصوصاً مواقع التواصل الاجتماعي تحت رقابة المحافظين.

ولم ينس ترامب أبداً لشركات التقنية موقفها حين حذرت 100 شخصية مرموقة في صناعة التقنية وأساتذة جامعيون من قرارات ترامب بشان التعامل مع المهاجرين والذين يشكلون عصب شركات التقنية الأمر الذي من شأنه أن يضر أسواق التقنية الأمريكية ويخفض الصادرات ويقلص من معدلات خلق وظائف جديدة، وأن سياساته تعادي التبادل المفتوح والحر للأفكار، واعتبر الأمر جزءًا من الحرب التي تشنها شركات التقنية ضده. 

عماد حسن

اضف تعليق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.