عاملات أجنبيات في "السجن اللبناني الكبير"

0

قبل أيام، ضج الإعلام اللبناني بخبر إقدام لبناني على عرض عاملة في الخدمة المنزلية من الجنسية النجيرية تعمل لديه للبيع مقابل مبلغ 1000$ أميركي. السلطات اللبنانية سارعت لتوقيف الرجل…

قبل أيام أيضا، تداول ناشطون على مواقع التواصل مقطع فيديو لعاملة إثيوبية حاولت الإنتحار من على شرفة منزل كفيلها في بيروت. سقطت أرضًا… لكن محاولتها فشلت!!

وبعد أكثر…

صور تتداول لعاملات يتركهن كفلائهم خارج المنزل، أو يتركونهن أمام سفارات بلادهم في بيروت… السؤال مُكرراً، ماذا يجري؟

الإشكالية الأساس هي بخسارة الليرة اللبنانية قيمتَها أمام الدولار الأميركي. كان الدولار الواحد قبل الأزمة الإقتصادية الراهنة يساوي 1500 ليرة لبنانية وهو السعر الرسمي، لكن الدولار فُقد من السوق، وبات هناك سعر مواز يزيد عن الأربعة آلاف ليرة لبنانية.

تتحدث “بيتي” و”ياسمينا” لـ “مهاجر نيوز” عن عجز تام أمام الواقع. تقولان: “كنا نتقاضى بدلاً شهرياً يساوي 300 دولاراً أميركياً يُمكّننا من أن نرسل جزءاً منه إلى عائلاتنا، وننفق الباقي على حاجاتنا اليومية هنا. كانت الـ 300 دولاراً تُساوي نحو 450 ألف ليرة لبنانية، اليوم مع خسارة العملة قيمتها بات راتبنا يعادل 100 دولار لا أكثر، والمؤسسة حيث نعمل كما بقية المؤسسات اللبنانية -وغالبية الكفلاء- تدفع الرواتب بالليرة اللبنانية”.

إنقطعت “بيتي” و”ياسمينا” عن إرسال النقود لعائلاتهما في الخارج منذ شهرين، لكن “الحمد لله أننا نعمل على الأقل”.

لطالما ضاعفت الإثيوبيتان العمل خارج المؤسسة التي تعملان فيها. كانتا تعملان على حسابهما بعد دوام المؤسسة لكسب المزيد من المال. “الآن اللبناني بالكاد يملك النقود ليعيل عائلته (…)”.

جائحة قاتلة

كورونا ضاعف معاناة العاملات الأجنبيات في لبنان

كورونا ضاعف معاناة العاملات الأجنبيات في لبنان

…إلى أزمة الدولار وسعر الصرف، أتت جائحة كورونا لتزيد الطين بلّة؛ فمن كانت تعمل على حسابها باتت أسيرة هواجس الوباء. لا عمل ولا من يرأف بحالهن… فقط هناك من يطالبهن بإيجار المنزل والكهرباء و.. بإلحاح، ما دفع بالعديد من العاملات في الخدمة المنزلية من هذه الفئة (العمل الحر) إلى ترك المنازل المستأجرة والبحث عن خيارات أقل تكلفة.

…بعض العاملات يرضين بتخفيض بدلاتهم المادية مقابل البقاء في منزل كفلائهم مع غياب أي خيار ثاني. كمثل حالة “روزي”، من رضيت بتخفيض راتبها “قسراً إلى النصف لحين تحسن الوضع العام”.

“لالي” وهي عاملة غانية تقول لـ “مهاجر نيوز” أيضا إن كفيلها صارحها بعدم قدرته على دفع مستحقاتها بالدولار، “وما له قدرة عليه هو الدفع بالليرة اللبنانية وبسعر الصرف الرسمي أي 1500 ليرة، بالتالي أصبح راتبي يقرب من الخمسين دولاراً لا غير، فرفضت، وتحدثت مع المكتب الذي إستقدمني فقال لي إنه لا يستطيع إبقاعي عنده في المكتب، وما علي فعله هو إنتظار زوال كورونا للعودة مع أنني سأدفع مقابلها ما جنيت لأشهر طويلة. أنا اليوم في السجن اللبناني الكبير (…)”.

في لبنان، أكثر من 250 ألف عاملةٍ منزلية مهاجرة. بحسب قانون العمل يجب أن تتقاضى مبلغ الأجر المذكور في العقد الموقِعَة عليه مع كفيلها وبالعملة المتفق عليها وهي غالباً بالدولار الأميركي كما يقول لـ “مهاجر نيوز” غاندي خطار، صاحب مكتب لإستقدام العاملات الأجنبيات. يضيف: “الوضع في لبنان كارثي. إذا بقي الحال هكذا سأتجه والكثير من زملائي للإقفال. لا خيار أمامنا. لا أحد يستقدم عاملات أجنبيات راهناً، ومن لديه عاملة بالكاد يدفع لها أجرها. المشكلة كبيرة مع الكفلاء لأنهم غير قادرين على تأمين الدولارات ولا ترحيل عاملاتهم”.

ماذا يقول الكفيل؟

“زينة” سيدة لبنانية ممن إعتدن على إستقدام عاملات في الخدمة المنزلية للعمل لديها. تتحدث لـ “مهاجر نيوز” قائلة إنها تعمل في إحدى المؤسسات الإعلامية، “متقاضية راتباً شهرياً يوازي مليون ونصف ليرة لبنانية. مع غياب الدولار، أصبحتُ مجبرًة على الدفع بالليرة وفق سعر الصرف الرديف، فأصبح راتب العاملة يساوي نصف راتبي تقريباً، لكنني مجبرة على إبقائها في ظل ظروفي اليومية، حيث العمل المهني والمنزلي وتربية أطفالي (…)”.

“جاكلين” سيدة أخرى تحاول ترحيل العاملة الإثيوبية لديها. تقول لـ “مهاجر نيوز” إن “تذكرة السفر إلى أديس أبابا كانت تكلفنا نحو 300 دولار، اليوم تذكرة العودة فقط تقارب الـ 800 دولار، كما أن السفارة الإثيوبية –كبقية السفارات- تطلب منا مبلغاً إضافياً بديلاً من 14 يوماً من الحجر الصحي المفترض أن تقضيه العاملة في أحد الفنادق فور عودتها إلى بلادها ليصبح المجموع 1400 دولار ويزيد… فمن أين لنا هذا؟ أنا في أزمة حقيقية ولا أعلم ماذا أفعل(…)”.

مبادرات فردية

عاملة أجنبية في وسط بيروت تعاني كغيرها الوضع في لبنان

عاملة أجنبية في وسط بيروت تعاني كغيرها الوضع في لبنان

تُحدثنا “ياسمينا” و “بيتي” عن مبادرات تقوم بها أيادي خيرة للمساعدة. فمن تعمل منا تحاول أن تساعد من لا تعمل إلى حين تحسن الأمور. نجمع بعض النقود على قلتها ونتشاركها مع من لا راتب مادياً تتقضاه. 

“ياسمينا” تشير إلى مبادرات تقوم بها “صديقات لنا في الخارج  ليجمعن المال ويرسلنه لنا عبر السفارة في بيروت، ولكن لا شيء يصلنا”.

أوروبا حلم بعيد!!!

نظام الكفالة في لبنان عرضة لكثير الإنتقادات. يُشبّهه العارفون بنظام عبودية مقنعة،  لا يحمي العاملات ولا يؤمن لهن حتى في أحيان كثيرة يوم إجازة أسبوعية… “تخيل حتى يوم إجازة لن أستطيع الحصول عليه –تقول أيليش” العاملة الأثيوبية لـ”مهاجر نيوز” فكيف بحقوقي الأخرى. الكفيل هنا أشبه بسيد ونحن العبيد”.

“لا أملَ بعدالة لعاملات المنازل الأجنبيات إلا بإلغاء نظام الكفالة” هذا ما قالته غنى العنداري الإختصاصية الإجتماعية في قسم مناهضة الإتجار في جمعية “كفى” لـ “مهاجر نيوز”. وترى العندراي أن “انظام الكفالة المعمول به في لبنان يُبقي العاملة في الخدمة المنزلة تحت سلطة كفيلها في جوانب مختلفة. مثل هكذا نظام يمثل بيئة حاضنة للإتجار بالبشر والإستغلال… وهو لا يؤمن أدنى حماية للعاملات الأجنبيات، كون أي خطوة لهن تبقى مرتبطة مباشرة برب العمل أو الكفيل، الممسك بصلاحيات واسعة للإستغلال وغيرها من الممارسات. الحل بإلغاء نظام الكفالة”، تقول العندراي.

على هامش حديثنا مع من إلتقيناهم طرحنا السؤال: ماذا تعني لكنّ أوروبا؟ منهن من لمعت عيونهم قبل التحسر. منهن من أومت بما يشبه الحلم الخيالي البعيد. “ياسمينا” قالت: “أقبل أن أقضي عمري على الطرقات في أوروبا ولا أعمل هنا في لبنان… على الأقل هناك إحترام”. “بيتي” قالت: “ليس لي سوى الله… إليه أرفع دعواتي ليريحني الآن، وبعدها لكل حادث حديث”.

خلدون زين الدين

المصدر: مهاجر نيوز

المصدر

اضف تعليق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.