صدى انفجار بيروت بألمانيا ـ دهشة وخوف على مستقبل لبنان

0


قدر بلاد الأرز ألا تنتهي الكوارث!

لبنان الجريح ـ صدمة الإعلام الألماني

دويٌ سُمع في قبرص على بعد 240 كيلومترا

إشاعات وتكهنات ـ مؤشرات تكذب فرضية الهجوم

نترات الأمونيوم ـ كوارث قاتلة عبر التاريخ

لبنان ـ نظام على وشك الانهيار حتى قبل الانفجار

 

 

قدر بلاد الأرز ألا تنتهي الكوارث!

ذاكرة بيروت الحديثة مليئة بالمآسي والحروب، فالوهلة التي تلت الانفجار دفعت اللبنانيين إلى الغوص من جديد في جروح لم تندمل لماضي قريب بعيد. عدة وسائل إعلام ألمانية تساءلت: أليس من صدف الأقدار أن يكون مكان اغتيال رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، على بعد بضعة كيلومترات فقط من موقع انفجار الميناء، وذلك قبل 15 عاماً، في هجوم هز العالم في حينه، وُجهت فيه أصابع الاتهام لنظام الأسد وحليفه حزب الله. قضية من المتوقع أن يفصل فيها القضاء الدولي نهاية هذا الأسبوع. غير أن ضخامة الانفجار الأخير جعلت بعض رواد المواقع الاجتماعية يعتبرونه صيغة لبنانية باعتداءات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 في الولايات المتحدة، وإن اختلف السياق. فقاعة من الدخان تصاعدت في ومضة إلى السماء أوحت، بصرياً على الأقل، بانفجار لا تحدثه إلا أسلحة لدمار الشامل.

موقع “شبيغل أونلاين” (الرابع من أغسطس / آب 2020) كتب عن منطقة الجميزة في بيروت، القلب النابض للحياة الليلية الصاخبة في العاصمة اللبنانية. فبعد الأزمة الاقتصادية الخانقة جاءت جائحة كورونا لتسدل ستار من الظلام الدامس فاقمه انقطاع متواصل للكهرباء في منطقة ألفت ألا تنام، قبل أن يُفرض عليها الصمت والهدوء في أجواء سريالية حتى قبل انفجار لم يعرف لبنان مثيلاً له، بما في ذلك أحلك فترات الحرب الأهلية. كارثة اختارت أسوأ وقت ممكن في بلد يوجد أصلا على شفا الانهيار كما أجمعت على ذلك المعلقون الألمان، كما المستشارة أنغيلا ميركل  نفسها التي عبرت عن صدمتها من روعة الحادث.

Karte Beirut Explosion AR

لبنان الجريح ـ صدمة الإعلام الألماني

خصصت وسائل الإعلام الألمانية تغطية واسعة لكارثة بيروت. بيورن بلاشكه مراسل شبكة “أ.إير.دي” وصف حالة الفوضى العارمة في المستشفيات. ونقل الأجواء في محيط الانفجار “المباني القريبة من الميناء دُمرت بالكامل، وانفصلت الشرفات من المنازل، فيما ارتفعت السيارات في الهواء بفعل الانفجار”. كما تحطم زجاج النوافذ على بعد كيلومترات من مركز الانفجار، فيما تعطلت شبكات الهاتف والإنترنت في كامل العاصمة.

من جهتها، أكدت وزارة الخارجية في برلين تضرر المبنى الذي تقع فيه السفارة الألمانية في بيروت. وأكدت أنه بالنظر إلى الأضرار البالغة التي لحقت بمنطقة الانفجار، فإنه لا يمكن استبعاد في الوقت الحاضر، أن يكون مواطنون ألمان من بين الضحايا. وفي تغريدة على تويتر كتب وزير الخارجية الألماني هايكو ماس: “لقد صدمت من الصور المروعة في بيروت. من بين الجرحى موظفون في سفارتنا. أفكارنا مع أقارب الضحايا. ألمانيا تقف إلى جانب لبنان في هذه الساعات العصيبة”.

دويٌ سُمع في قبرص على بعد 240 كيلومتراً

المنابر الإعلامية الألمانية تواكب على مدار الساعة تداعيات الكارثة. ما هو معروف لحد كتابة هذه السطور، هو أن انفجاراً مزدوجاً بقوة غير مسبوقة حدث يوم الثلاثاء (الرابع من آب / أغسطس 2020)، حوالي (الساعة 6:10 مساءً) في ميناء العاصمة اللبنانية. الانفجار دمر جزءاً مهما في بيروت بحصيلة ثقيلة (مؤقتة) بلغت 100 قتيلاً و4.000 جريحا حسب الصليب الأحمر الدولي. وفي نداء عاجل دعا رئيس الوزراء اللبناني حسان دياب “جميع الدول الصديقة والشقيقة التي تحب لبنان للوقوف إلى جانبه” ومساعدته حتى تلتئم جراحه.

وأظهرت عدد من مقاطع الفيديو تناقلتها منصات التواصل الاجتماعي، حرائق في المباني وعلى أرصفة ميناء بيروت. كما تضررت سفينة تابعة للأمم المتحدة، وأُصيب جنود من بعثة القبعات الزرق التابعين للمنظمة الدولية (يونيفيل)، بعضهم في حالة خطيرة، بحسب بيان للأمم المتحدة.

السلطات الأمنية اللبنانية بدأت على الفور تحقيقات موسعة للكشف عن خليفات انفجار، قال شهود عيان أنهم سمعوا دويه حتى بلدة لارناكا الساحلية بقبرص على بعد 240 كيلومتراً من الساحل اللبناني. الحادث أثار موجة تعاطف عالمية، فإلى جانب برلين التي قالت إنها تقف إلى جانب لبنان، عرضت عدد من العواصم العالمية، بما في ذلك إسرائيل، البلد الذي يوجد رسمياً في حالة حرب مع بلاد الأرز.

إشاعات وتكهنات ـ مؤشرات تكذب فرضية الهجوم

بسبب حجم الانفجار والأضرار غير المسبوقة التي أحدثها، رفضت جهات كثيرة في البداية القبول بفرضية الحادث العارض. في البداية افترض الكثيرون فرضية غارة جوية أو قنبلة تم تفجيرها. حتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحدث عن “هجوم في بيروت”، نقلاً على ما يبدو عن جنرالاته.

وقد أفاد بعض الشهود سماع صوت طائرة قبيل الانفجار بوقت قصير، ما عزز في حينه شائعة هجوم مزعوم، خصوصاً في سياق التوتر بين مقاتلي حزب الله وإسرائيل على الحدود الجنوبية للبلاد. ومع ذلك، فمن المألوف جداً أن يحلق الطيران العسكري الإسرائيلي فوق بيروت.

غير أن متحدثاً باسم الحكومة الإسرائيلية أعلن أن بلاده “لا علاقة لها” بالانفجار، بل وعرضت الدولة العبرية مساعدتها على لبنان. فقد أكد بيان رسمي أن وزارتي الدفاع والخارجية الإسرائيليتين عرضتا المساعدة عبر قنوات دولية، لعدم وجود علاقات دبلوماسية بين البلدين. رد الفعل الإسرائيلي جاء ليبدد تكهنات اللحظات الأولى التي تلت الانفجار.

نترات الأمونيوم ـ كوارث قاتلة عبر التاريخ

الفرضية الثانية، تبدو لغاية كتابة هذه السطور، مرجحة، ومصدرها السلطات اللبنانية نفسها التي أشارت إلى أن 2750 طناً مننترات الأمونيومقد تكون وراء الكارثة، لكن لا بد من انتظار نتائج التحقيقات قبل الحسم النهائي. موقع “تي.أنولاين” الألماني أكد أن نترات الأمونيوم يستخدم في انتاج المواد المتفجرة. مادة شديدة الحساسية يمكن أن تنفجر في حال تعرضها لدرجات حرارة عالية. مادة تستعمل أيضاً في وقود دفع الصواريخ وجعلها تنطلق بقوة إلى الأعلى. كما تستعمل في انتاج الأسمدة. نترات الأمونيوم وتعرف أيضاً باسم الملح الصخري، مادة صلبة بدون لون قادرة على الذوبان حينة تلامس الهواء. تركيبها الكيميائي معروف بـ”NH4NO3″. المركب بعد انحلاله يتحول إلى الميثانول والإيثانول.

ويوجد أكبر مخزون من نترات الأمونيوم في شكله الطبيعي في صحراء أتاكاما في تشيلي، غير أن المادة المتداولة عالمياً مصنعة بالكامل وليست طبيعية، ويتم انتاجها عن طريق تفاعل الأمونيا مع حمض النتريك. نترات الأمونيوم قابل للانفجار (بسرعة 2500 متر في الثانية)، ولكنه يستعمل أيضاً في صناعة الأسمدة بسبب احتوائه على نسبة عالية من الأزوت.

مادة لها “سمعة دموية”، فانفجار بيروت ليس جديداً في سلسلة من لحوادث المأساوية، أولها يعود إلى 21 سبتمبر/ أيلول عام 1921، حينما وقع انفجار في لودفيغسهافن الألمانية في مصنع للنتروجين تابع لشركة “باسف” ما أدى لمقتل نحو 560 شخصاً وجرح 1977 آخرين. كارثة مماثلة شهدتها تكساس الأمريكية في أبريل/ نيسان 1947 ذهب ضحيتها أكثر من 580 قتيلاً وأكثر من 5000 جريح.

وبهذا الصدد أوضح أندرياس باتنبيرغ الباحث الكيميائي في جامعة ميونيخ لصحيفة زودويتشه تسايتونغ (الخامس من أغسطس/ آب 2020): “الأمر المميت في هذه لمادة، هو أنه عندما تنفجر، يتفكك في الماء وإلى أكسجين ونيتروجين ما يفرز كمية هائلة من الغاز. لذلك بمجرد اشتعال نترات الأمونيوم، لا يمكن إيقاف التفاعل. وهذا يعطي “قوة انفجار هائلة”.

وأحدث كارثة لها علاقة مع نترات الأمونيوم وقعت في تيانجين الصينية في 12 أغسطس/ آب 2015، أودت بحياة أكثر من 170 شخصاً، وأصابت ما يقرب من 800 آخرين. وتبين أنه تم تخزين 800 طن من نترات الأمونيوم و500 طن من نترات البوتاسيوم والصوديوم في الموقع، وكلها مواد شديدة الانفجار.

لبنان ـ نظام على وشك الانهيار حتى قبل الانفجار

توره شرودر وصف في صحيفة “تاغسشبيغل” الصادرة في برلين (الرابع من أغسطس/ آب 2020) عالما من الكوابيس التي يعيشها لبنان، حتى قبل انفجار اليوم. ففي تحليل مستفيض تحت عنوان “الفقر، الديون وفشل الدولةـ لماذا ينهار لبنان” كتب شرودر يقول: “يعيش لبنان أكبر أزمة في تاريخه منذ 30 عاماً، بل ويعتقد الكثيرون أن الوضع الحالي أسوأ بكثير مما كان عليه الأمر خلال الحرب الأهلية التي استمرت 15 عاماً”.

وواصل الكاتب وصف لمشهد اللبناني الحالي عبر مثال تأمين محلات المجوهرات والمصارف بألواح من الصلب، فيما غزا جيش من المتسولين شوارع بيروت. ووصف مشاهد لرجال ونساء بملابس جيدة يتسكعون بحثاً عن الطعام في سلات القمامة. ويبدو وفق هذا التحليل، أن النموذج الذي قام عليه لبنان بعد الحرب الأهلية قد انتهى بسبب نظام يقوم على 18 طائفة دينية “المناصب الحكومية العليا منها كما الدنيا، توزع وفق النظام طائفي، ما ألغى مبدأ الكفاءة، وفتح الباب أمام فساد قادة المليشيات السابقة الذين تحولوا إلى قادة أحزاب لاحقاً”.

نموذج اقتصادي غير مستدام، وبات على وشك الانهيار، كان قائماً أساساً على تحويلات اللبنانيين المغتربين في الخارج. تحويلات اضمحلت تزامناً مع توقف المساعدات الخليجية إضافة للآثار المدمرة للحرب في سوريا على البلاد.

ليا فريش مراسلة “تسايت أونلاين” كتبت من بيروت قبل أسبوع (29 يوليو/ تموز 2020): “لبنان في حال انهيار تام، العملة فقدت قيمتها بسرعة وباتت تكاليف المواد الغذائية الأساسية أغلى بنسبة 60 في المائة عما كان عليه الوضع قبل عام بفعل التضخم، في وقت انخفض فيه دخل الأسر. أما الفقراء فلم يعد بإمكانهم تحمل تكاليف وجبات ساخنة. أما الدولة فأفلست تماماً”، فسويسرا الشرق الأوسط كما يسمى لبنان في الماضي بات مجرد ذكريات تمحوها كوارث حاضر عنيد.

حسن زنيند





المصدر

اضف تعليق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.