جولة الرئيس الصيني الأوروبية.. فرق تسد؟


كان ما يميز العالم عام 2019 الهدوء وذلك إبان آخر زيارة للرئيس الصيني شي جينبينغ للاتحاد الأوروبي، فقد كان وباء كورونا في تلك الفترة ضربا من الخيال ولم يكن يتوقع أحد أن تقدم روسيا على غزو جارتها أوكرانيا كما حدث بعد ذلك بثلاث سنوات.

وخلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كان الاتحاد الأوروبي والصين  يتطلعان إلى تعزيز التعاون الاقتصادي بما في ذلك تعزيز الروابط التجارية والاستثمارية. بيد أنه بعد خمس سنوات من زيارة شي جينبينغ الأخيرة إلى أوروبا، أصبحت العلاقات في الوقت الراهن أكثر فتورا، حيث باتت الاتفاقيات معلقة بعد تبادل العقوبات؛ فيما قام التكتل الأوروبي بإعداد قوانين جديدة لتقليل اعتماد بلدانه على الصين.

وبدأ الرئيس الصيني يوم الاثنين (6 مايو/ آيار 2024) جولته في الاتحاد الأوروبي بعد أن حطت طائرته قبل يوم في باريس حيث كان في استقباله رئيس الوزراء غابريال أتال، في محطة أولى ضمن زيارة أوروبية ستشمل صربيا والمجر.

ويقول خبراء إنه في الوقت الذي سيشعر فيه الرئيس الصيني بوطأة موقف الاتحاد الأوروبي  القوية في فرنسا، إلا أنه سوف يلمس ترحيبا كبيرا في المجر وصربيا حيث يُنظر إليهما باعتبارهما أقل انتقادا للمواقف الصينية والروسية.

ماكرون.. مساع الضغط على شي

ويجتمع شي جينبينغ مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في لقاء ستنضم إليه رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين التي أكدت قبل القمة على ضرورة “التحرك للتأكد من أن المنافسة عادلة وغير مشوهة”. وأكد مصدر في الأليزيه أن المحادثات بين ماكرون ونظيره الصيني ستكون “سياسية للغاية” حيث تهيمن عليها الانقسامات بشأن الحرب الروسية في أوكرانيا.

ومنذ عام 2022، فرضت فرنسا عقوبات متتالية على موسكو في إطار الاتحاد الأوروبي بالتزامن مع تعزيز الصين علاقاتها مع روسيا. وفي تعليقه، قال السفير الصيني لدى فرنسا، ليو شاي، قبل أيام إن “الحكومة الصينية حافظت على الدوام على تبني موقف موضوعي ومحايد ومتوازن حيث لم تحاب أي طرف على- حساب الطرف الآخر”.

تسعى فرنسا إلى حث الصين لاستخدام نفوذها لدى روسيا لإيجاد حل للحرب في أوكرانياصورة من: Andrii Marienko/AP/picture alliance

وقال مصدر في الحكومة الفرنسية إن ماكرون “سيشجع الصين – باعتبارها أحد أكبر حلفاء روسيا – على استخدام نفوذها وكافة أدواتها المتاحة لتغيير حسابات موسكو بما يفضي إلى المساهمة في حل الصراع ( في أوكرانيا)”.

بيد أن مراقبين يقولون إن الدعوات الفرنسية قد لا تجد آذانا صاغية لدى الرئيس الصيني الذي وافق على الاتصال بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بعد زيارة ماكرون للصين العام الماضي. ورغم مرور شهور على الاتصال، إلا أنه لم يتم الإعلان عن نتائج ملموسة.

وفي مقابلة مع  المانيا اليوم، قال إيمانويل لينكوت، الأستاذ في المعهد الكاثوليكي في باريس والباحث المشارك في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية المتخصص في الصين، إن بكين تعتبر فرنسا ذات أهمية خاصة في ضوء أن باريس تعد القوة النووية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي. وأضاف أن زيارة بوتين إلى الصين الشهر الجاري تشير إلى ثبات موقف بلاده، إذ “لن يتغير المسار الصيني ولا ذرة واحدة خاصة ما يتعلق بنهج شي جينبينغ تجاه القضايا الدولية الكبرى”.

التجارة بين الاتحاد الأوروبي والصين نقطة شائكة

وخلال زيارته لفرنسا، سوف يشهد شي توقيع اتفاقيات تجارية جديدة بما في ذلك خطط شركات طيران صينية لشراء طائرات من شركة إيرباص. ويقول اقتصاديون إن الشراكة التجارية بين الاتحاد الأوروبي والصين قوية، لكن الواردات الأوروبية تفوق بشكل كبير الصادرات إلى الصين  مع اتهامات أوروبية بوصول غير عادل إلى أسواقها.

وفي هذا الصدد، قام الاتحاد الأوروبي العام الماضي بفتح تحقيق في الدعم الذي تقدمه الحكومة الصينية لشركات صينية متخصصة في صناعة السيارات الكهربائية فيما وصفت بكين الإجراء باعتباره يأتي في إطار “التدابير الحمائية الجلية”.

من جانبها، تتوقع إيزابيل فينغ، الباحثة في جامعة بروكسل الحرة، انخفاض التجارة بين الاتحاد الأوروبي والصين بمعدل “بطيء للغاية” على وقع تصاعد التوترات بين الجانبين، مضيفة بأن “تستغرق عملية تغيير سلاسل التوريد العالمية وقتا”.

علاقات ذات أوجه متعددة بين الصين والاتحاد الأوروبي

To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video

استثمارات صينية في صربيا

وانطلاقا من فرنسا، سوف يتوجه الرئيس الصيني إلى صربيا حيث يشرع في زيارة رسمية يتزامن توقيتها مع الذكرى السنوية الخامسة والعشرين للقصف الامريكي على السفارة الصينية في بلغراد عام 1999 في إطار حملة القصف الجوي الذي قام به حلف شمال الأطلسي (الناتو) لوقف أعمال قتل على أساس عرقي كانت تمارسها حكومة جمهورية يوغسلافيا الاشتراكية الاتحادية ضد ألبان كوسوفو.

واعتذرت واشنطن عن القصف واعتبرته “حادثا عارضا” فيما دفعت تعويضات للمواطنين الصينيين الذين لقوا حتفهم، لكن الكثير في  الصين  ما زال يعتقد أنه جرى استهداف السفارة بشكل متعمد.

وقال ستيفان فلاديسافلييف، الباحث في مؤسسة BFPE  البحثية ومقرها بلغراد، إن الصين ترى أن هذا القصف يمثل “لحظة تاريخية حيث ألحق فيها الغرب الضرر بالصين بشكل مباشر ما تسبب في تعزيز السردية القائلة بأن هناك حاجة إلى إعادة بناء النظام العالمي”.

وتقع صربيا في منطقة دول غرب البلقان التي تخوض مفاوضات للانضمام إلى الاتحاد الاوروبي، لكن هذه المنطقة تقع أيضا في بؤرة تنافس جيوسياسي قوي بين القوى الكبرى في العالم. فعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي يعد الشريك الاقتصادي الأكبر لصربيا، إلا أن الاستثمارات الصينية بلغت 10,3 مليار يورو  بين عامي 2009 و 2021. وفي ذلك، يقول فلاديسافلييف إن “الوجود الصيني في صربيا خلق بعض التأثير الاقتصادي الإيجابي في البلاد، لكن لم يتم نقاش الجوانب السلبية لهذا التواجد الصيني. يتعين مناقشة ذلك خاصة التأثير البيئي”.

قالت الخارجية المجرية إن بودابست ستعمل على تحسين العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين.صورة من: Andrea Verdelli/AFP/Getty Images

المجر.. حليف الصين داخل الاتحاد الأوروبي

ويختتم شي جولته الأوروبية بزيارة المجر التي تعد الدولة الوحيدة داخل الاتحاد الأوروبي التي طالما تتخذ مواقف مغايرة لمواقف الدول الأعضاء، حيث حافظت على علاقات وثيقة مع موسكو بعد توغلها العسكري في أوكرانيا.

وفيما يتعلق بزيارة الرئيس الصيني  للمجر، قالت الخارجية الصينية في بيان إن البلدين “أقدما على تعميق الثقة السياسية المتبادلة” خلال السنوات الأخيرة، لكن إيزابيل فينغ، الباحثة في جامعة بروكسل الحرة، ترى أن الأمر مغاير للسرد الصيني الرسمي.

وأضافت في مقابلة مع  المانيا اليوم أن الصين تنظر إلى المجر “باعتبارها حصان طروادة داخل الاتحاد الأوروبي”، مشيرة إلى أن بودابست عرقلت في السابق بيانات أوروبية بشأن الوضع في هونغ كونغ فضلا عن مساعي بودابست لتأجيل تقديم مساعدات إلى أوكرانيا وفرض عقوبات على روسيا.

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة “غلوبال تايمز” الصينية عن وزير خارجية المجر بيتر زيغارتو قبل أسبوع قوله إن تحقيق الاتحاد الأوروبي في دعم بكين لقطاع السيارات الكهربائية الصينية كان “خطيرا وضارا”. وأشار الوزير إلى أن بلاده ستعمل على تحسين العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين.

وقالت إيزابيل فينغ إن هذا الانقسام في الاتحاد الأوروبي يصب في صالح الصين، مضيفة أن “مبدأ فرق تسد يعد ركيزة أساسية في استراتيجية الصين تجاه الاتحاد الأوروبي  خلال عشرين عاما”.

ويتفق في هذا الرأي إيمانويل لينكوت، الأستاذ في المعهد الكاثوليكي في باريس والباحث المشارك في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية المتخصص في الصين، بقوله إن قيام الرئيس الصيني بمغازلة المجر بزيارتها وتوبيخ الاتحاد الأوروبي برفض زيارة عاصمته بروكسل يبعث برسالة مفادها: “شي جينبينغ يريد العمل مع أوروبا التي تغرد خارج سرب الاتحاد الأوروبي، أي أوروبا التي تصب في صالح أهداف موسكو”.

 أعده للعربية: محمد فرحان

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});
اضف تعليق
Comments (0)
Add Comment