بعد “إصابته” بكورونا ـ اليمين الشعبوي يلجأ لنظريات المؤأمرة

0

قبل تفشي وباء كورونا كانت مواضيع الهجرة واللجوء والإسلام الأوراق “الرابحة” التي يحاول من خلالها اليمين الشعبوي في أوروبا حشد أنصاره واستقطاب أتباع جدد. ومنذ تفشي الوباء وارتفاع عدد الضحايا واتخاذ إجراءات مشددة كالحجر الصحي والاغلاق العام، لم يعد لتلك المواضيع تأثير كبير. وسرعان ما أردك اليمينيون الشعبويون الأمر وبدأوا في استغلال الوباء المستجد سياسيا.

ترويج نظريات المؤامرة والأخبار الزائفة

خلال الأسابيع الماضية شهدت عدد من المدن الألمانية مظاهراتمنددة بإجراء الإغلاق العام و”تقييد حرية التنقل” و”حرية التعبير”. ورفع المتظاهرون شعارات تتهم الحكومة بـ “المبالغة في تشديد الإجراءات” أو “استغلال الفيروس لقمع الحريات”. أما البعض الآخر فيصفون طريقة التعامل مع الفيروس “بأنها أشد قسوة من الفيروس ذاته”. واختارت اليس فايدل، زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب البديل اليميني الشعبوي، تويتر للتشكيك في الرواية الرسمية حول الوباء. في تغريدة لها وصفت الحجر الصحي “بحجر حرية التعبير”.

أما فرانك غروب، نائب برلماني عن ذات الحزب فاختار شكلا آخر للاحتجاج. وظهر في إحدى اللقاءات بقناع كتب عليه: “برقع ميركل”. ويزعم بعض اليمينيين الشعبويين في منشورات لهم أن المهاجرين ينقلون الفيروس. كما تسود وسط آخرين ـ كجماعة “الرايخ” اليمينية المتطرفة ـ نظريات معادية للسامية على خلفية انتشار الفيروس، حيث يرون أن كورونا سلاح كيميائي بيولوجيي. وانتقد المجلس الأعلى لليهود في تغريدة على توتير: “استغلال التدابير الخاصة بكورونا بشكل متزايد من قبل أصحاب نظرية المؤامرة واليمينيين الشعبويين للتحريض، ومعاداة السامية وإنكار المحرقة. يجب حمل الأمر محمل الجد”.

في تصرح لرئيس مؤتمر وزراء داخلية الولايات الألمانية، غيورغ ماير، لصحف شبكة “دويتشلاند” الألمانية الإعلامية في (25 ابريل/ نيسان 2020) وصف نظريات المؤامرة التي ينشرها اليمين الشعبوي بأن “كثيرا منها يعيد إلى الأذهان حركة “مواطنو الرايخ”، الذين سخرنا منهم في البداية، حتى انتشرت آراؤهم، وصار بعضهم مسلحا في وقت ما”، مضيفا أنه لهذا السبب “يتعين مراقبة أصحاب نظريات المؤامرة هؤلاء الآن”.

وفي حوار مع موقع DW عربية تصف بياته كوبر الخبيرة الألمانية في علم الاجتماع النفسي، أجواء الاحتجاجات الجديدة بأن الألمان “عاشوا قبل كورونا على وقع مزاج ساخن اجتماعيا”. واستدلت بالهجوم الذي قام به شهر فبراير الماضي متطرف يميني بدوافع عنصرية في هاناو، محذرة من أن نظريات المؤامرة الحالية المرتبطة بكورنا “تعيد ألمانيا إلى نقطة البداية”.

من الانترنيت إلى المظاهرات في الشارع

دفع منع التجمعات والفعاليات في ألمانيا وباقي الدول الأوربية ، اليمينيين المتطرفين إلى التركيز على وسائل التواصل الاجتماعي لترويج أفكارهم. لكن تضييق فيسبوك وتوتير الخناق على الأخبار الزائفة وحذفه للغريدات التي يتم التبليغ عنها، جعل فعالية وسائل التواصل الاجتماعي محدودة، وهو ما كشفته دراسة أجرتها جامعة مونستر الألمانية. رغم ذلك تحذر الدراسة التي تحمل عنوان “الوباء واليمين الشعبوي” المنشورة على صفحة الجامعة، من تبعات نظرات المؤامرة التي ينشرها اليمين الشعبوي، على المجتمع.

ويبرر خبراء عودة اليمينيين للتظاهر بمحاولة لتعويض تراجع تأثيرهم على وسائل التواصل الاجتماعي. في في حوار لها مع إذاعة وتلفزيون وسط ألمانيا (mdr) تفسر الخبيرة الألمانية بيا لامبرتي نجاح أصحاب نظريات المؤامرة في التأثير على المواطنين ودفعهم إلى التظاهر في الشارع بـ “الوضع الفوضوي ومشاعر الخوف السائدين، في وقت لا يعرف فيه المواطنون ماذا يفعلون”.

مارين لوبان تستغل كورونا وعينها على الرئاسيات

في الجارة فرنسا التي شهدت وفيات قياسية بسبب الفيروس يحاول اليمين الشعبوي استغلال الوضع لصالحه. ففي حوار أجرته إذاعة “فرانس إنفو” مع مارين لوبان زعيمة التجمع الوطني حاولت دعم المشككين في الروايات الرسمية حول الوباء، من خلال الدفاع عن أصحاب نظرية المؤامرة.

وعبرت لوبان التي تنوي الترشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية عن موقفها بالقول: “من حق المواطنين أن يتساءلوا إذا كان أصل فيروس كورونا طبيعيا أم أن مصدره من المختبر”. وأضافت بأنه “لا يوجد هناك من يعرف حقيقة ما حدث فعلا”.  وفي تغريدة لها على موقع تويتر كتبت لوبين “ما لا أستطيع تحمله منذ بداية هذه الأزمة الصحية هو الأكاذيب المتتالية التي يتم إيصالها للفرنسيين بشكل مستمر. هذا الأمر كسر الثقة بين الفرنسيين وقادتهم”.

وفي رد فعل على خطاب لوبان قالت أورور بيرجي ـ المتحدثة باسم حزب الجمهورية إلى الأمام الحاكم ـ نقلا عن صحيفة “لوفيغار”، إن لوبين تريد أن تبعث رسالة للمواطنين الفرنسيين بأن “الحكومة كذبت عليهم وأن فيروس كورونا لا يعدو أن يكون سوى مؤامرة تقف وراءها شركات الأدوية والحكومة”. 

اليمين الشعبوي الإيطالي يوجه سهام النقد لأوروبا

وفي إيطاليا اختار اليمين نهجا مغايرا بسبب تضامن الناس وبسبب العدد الكبير للوفيات الذي لن يجعل الناس يتحملون تحميل حكومة بلدهم المسؤولية كاملة. فقد استغل زعيم حزب الرابطة ماتيو سالفيني الأزمة لتوجيه سهام النقد للاتحاد الأوروبي متهما الأوروبيين بعدم الالتزام بمبدأ التضامن، ومطالبا بمراجعة عضوية بلاده في الاتحاد. واتهم سالفيني في تغريدة له ألمانيا بثني بروكسل عن تقديم دعم مالي أكبر لروما.

وفي مقال له على موقع صحيفة “دي تسايت” وصف الصحفي الإيطالي أولغيش لادورنر، استغلال اليمينيين في إيطاليا لأزمة كورنا، بأن رسالتهم لم تتغير؛ “فسواء تعلق الأمر بأزمة اليورو، أو أزمة الهجرة أو الآن مع كورونا، يسعى اليمين لارسال رسلة مفادها بأن الأوروبيين يتركون إيطاليا تواجه مصيرها بمفردها، وأن الاتحاد الأوروبي ليس سوى مشروع لضمان سيادة ألمانيا على أوروبا”، يضيف الصحفي الإيطالي.

وسواء في ألمانيا، فرنسا أو إيطاليا فإن اليمين الشعبوي ظل وفيا لنهجه في استغلال الأزمات لإنعاش شعبيته في محاولة لسحب البساط من تحت أرجل الأحزاب التقليدية الحاكمة.

عبد الرحمان عمار

اضف تعليق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.