هكذا يمكن تقديم "مجرمي البيئة" للعدالة في الشرق الأوسط!


غالبًا ما يكون من السهل رؤية آثار الصراع والفساد على البيئة في الشرق الأوسط، ولكن من الصعب معالجة هذا الأمر.

وتشمل القائمة الطويلة للجرائم ضد الطبيعة في المنطقة وقائع مثل تلوث الهواء بسبب مصافي النفط في شمال سوريا، وتدمير الزراعة والصيد الجائر للحياة البرية النادرة في اليمن، والشركات المحلية التي تضخ النفايات مباشرة في المجاري المائية العراقية.

غالبًا ما يكون من غير الواضح كيفية تسجيل هذه الجرائم البيئية، ناهيك عن معاقبة المسؤولين عنها. لكن في الآونة الأخيرة، تم استخدام ما يُعرف بذكاء المصدر المفتوح OSINT – وهي معلومات متاحة مجانًا – من منصات ومواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وإنستغرام، إلى صور الأقمار الصناعية التي يمكن الوصول إليها بشكل عام، وكذا رسم الخرائط بواسطة غوغل إيرث Google Earth لإيجاد حل لتلك المسألة.

وقد تطورت أساليب جمع المعلومات حول الجرائم البيئية كنتيجة للبحث الذي تم إجراؤه حول تأثير الصراع على البيئة، كما يوضح الباحث ويم زويغننبرغ، الذي يعمل في منظمة حقوق الإنسان الهولندية (باكسPAX). وعلى سبيل المثال فإن هذه الدراسات ساعدت في توجيه جهود إعادة الإعمار والجهود الإنسانية بعد الحرب.

البحث عن مصادر المعلومات

وفي حوار له مع المانيا اليوم قال زويغننبرغ إنه يعتقد أن “هذا النوع من البحث المتعلق باستخدام المعلومات مفتوحة المصدر قد نشأ بدافع الضرورة”.

وأضاف أن “إحدى المشكلات التي واجهناها كانت الحصول على بيانات موثوقة لمساعدتنا في تقييم نوع الضرر البيئي طويل الأمد أو الحاد الذي يمكن أن ينشأ عن الأعمال العدائية. وقد ساعدتنا وسائل التواصل الاجتماعي وصور الأقمار الصناعية المتاحة مجانًا في بناء صورة أكثر وضوحًا.”

ونشر زويغننبرغ عدداً من التقارير التي تم جمع بياناتها باستخدام بيانات مفتوحة المصدر على الموقع الإلكتروني الذي تديره شبكة Bellingcat ، وهي المجموعة التي تصدّرت عناوين الصحف والتي ربما اشتهرت باستخدام معلومات مفتوحة المصدر للتحقيق في أحداث كبرى مثل إسقاط رحلة الخطوط الجوية الماليزية رقم 17 فوق أوكرانيا وهجمات الأسلحة الكيماوية في سوريا.

ركزت تقارير زويغننبرغ على قضايا مثل التلوث في ممر شط العرب المائي جنوب العراق، وانسكابات النفط الإيرانية، وتضرر مزارع التمر اليمنية بسبب الحرب، والتلوث الجوي والأرضي الناجم عن مصافي النفط المؤقتة في شمال سوريا، من بين أمور أخرى.

صحيح أن بعض المعلومات معروفة بالفعل، لا سيما داخل البلاد ، كما يقر زويغننبرغ. لكن في كثير من الحالات لم يكن هناك أي توثيق منهجي من قبل، نظراً لأن المسؤولين ليس لديهم الإرادة أو القدرة على القيام بذلك، على حد قوله.

تأثيرات بيئية كبيرة

وغالبًا ما يتعلق الأمر أيضًا بالنظر في الاتجاهات طويلة المدى، كما يضيف دوج وير، مدير البحوث والسياسات في مرصد الصراع والبيئة CEOBS ومقره يوركشاير ببريطانيا.

فباستخدام مجموعة من بيانات الأقمار الصناعية من مؤسسات مثل بلانيت لاب Planet Labs وغوغل إيرث “يمكنك الحصول على نظرة ثاقبة لشيء قد يكون بطيئًا للغاية في الحركة أو التغير، ولكن له آثار كبيرة – مثل الخسائر في الزراعة باليمن“.

ويضيف وير: “عندما نريد الانتقال إلى منطقة أصغر، تساعد وسائل التواصل الاجتماعي المحلية أيضًا في تحديد الظروف على الأرض. وإذا كان ذلك ممكنًا، فإنه يتم دعم البحث دائمًا بواسطة الشهود العيان”.

مزارع يمني مع ولده في الحقل

تأثرت الزراعة في اليمن بشدة جراء الصراع الدائر هناك.

وأكد زويغننبرغ أن هذه الأساليب يمكن أن تستخدم بالتأكيد أيضًا في الجرائم البيئية التي لا علاقة لها بالنزاع. وقال لـ المانيا اليوم: “هناك ثروة من البيانات التي يمكن أن تساعدنا على فهم أفضل للضرر البيئي الذي تحدثه مجموعة من الأنشطة البشرية”.

“نمور ميتة” على فيسبوك

في اليمن – على سبيل المثال – قامت مجموعة (حلم أخضر) البيئية المحلية بتوثيق عمليات الصيد الجائر للحيوانات المحلية النادرة من خلال نشر الصور التي نشرها الصيادون لأنفسهم مع النمور الميتة على فيسبوك.

كما تم استخدام بيانات الأقمار الصناعية أيضًا للتحقيق في جرائم صيد الأسماك المحظور صيدها أو الاعتداء على الغابات، كما توضح المحامية بولين فيرهيج المقيمة في هولندا، وهي أخصائية جرائم الحياة البرية والغابات قامت بهذا العمل من خلال مبادرتها الخاصة المسماة (عدالة بيئية EcoJust).

قامت فيرهيج بتمييز الأجزاء الممنوع ممارسة الأنشطة فيها سواء من المحيط أو الغابة بشكل واضح، وساعدت بيانات الأقمار الصناعية في إظهار عمليات التوغل التي تقوم بها قوارب الصيد أو عمليات إزالة الغابات بشكل غير قانوني.

استخدمت فيرهيج أيضاً وسائل التواصل الاجتماعي عند بدء العمل على قضية ضد الصيادين الفيتناميين الذين يعتدون على الحياة البرية لصالح (لجنة العدالة للحياة البرية)، وهي منظمة استقصائية ساعدت في تأسيسها. وتقول: “كان الناس يعلنون بشكل واضح وصريح عن حصيلتهم من الصيد على فيسبوك أو وي شات”.

منشأة النفط Gir Zero في شمال شرق سوريا

استخدمت صورة الأقمار الصناعية عام 2017 لمنشأة النفط Gir Zero في شمال شرق سوريا في دراسة منظمة باكس

طريق إلى المحكمة؟

لكن هل يمكن استخدام أي من هذه الأدلة في جلب هؤلاء الأشخاص إلى المحكمة؟ تؤكد فيرهيج: “الإجابة المختصرة هي نعم”، مضيفة أن “الأمر يعتمد حقًا على الاختصاص القضائي، فقد يجد مواطن أو منظمة غير حكومية أدلة على هذه الجرائم ولكن بعد ذلك سنحتاج إلى العثور على مدعٍ عام محلي أو وكالة لإنفاذ قانون مهتمة بالعمل في الجرائم البيئية، لتأكيد الوقائع من خلال تحقيق جنائي.”

وتتابع فيرهيج أن هذا هو الجزء المحبط، “فالكثير من هذه الجرائم تُرتكب في بلدان فيها أنظمة حكم ضعيفة أو عدم اهتمام أو فساد. في بعض الأماكن، يتكسب المسؤولون الحكوميون أموالاً طائلة من تسهيل هذه الجرائم”.

مجرى شط العرب المائي في البصرة

يشمل التلوث في مجرى شط العرب المائي في البصرة، جنوب العراق، حطام سفن لم تتم إزالتها قط

ويلعب السياق المحلي دورًا أيضًا. يقول زويغننبرغ: “تعد صناعة النفط في العراق مصدرًا رئيسيًا للدخل، لذا من الصعب أن توجد هناك انتقادات (بشأن عمليات تلويث مصادر المياه)، فالمشاعر متضاربة بشدة حيال هذه المسألة الحساسة”.

جرائم الحرب “البيئية”

في عام 2016، قال المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بهولندا، إن المحكمة مهتمة بالعمل على جرائم الحرب التي لها جانب بيئي، كما يوضح دوج وير من مرصد الصراع والبيئة CEOBS. بيد أنه يضيف أن ما يمكن للمحكمة أن تنظر فيه بشأن ما يتعلق بجرائم الحرب البيئية له تعريف صارم للغاية.

بالإضافة إلى ذلك، غالبًا لا تكون للجرائم البيئية أولوية في التناول والتحقيق. على سبيل المثال، في العراق، قام أعضاء من تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) بإضرام النار في آبار النفط المحلية، ما تسبب في أضرار بيئية كبيرة. حوكم بعضهم في محاكم عراقية، لكن كما يقول وير، لم توجه إليهم اتهامات بارتكاب جرائم بيئية.

رعي الأغنام بالقرب من مجرى ملوث بالنفط في شمال شرق سوريا

يتم رعي الأغنام بالقرب من مجرى ملوث بالنفط في شمال شرق سوريا – صورة مستخدمة في أبحاث باكس

وتخلص فيرهيج إلى القول: “لست متأكدة ما إذا كان اللجوء إلى القانون ينجح دائمًا”.. “لكن هذا النوع من التحركات يمكن أن يساعد بالتأكيد في زيادة الوعي حول الجانب الذي يطلب الحصول على تلك الأشياء غير القانونية ومن يشتريها أو يستفيد من هذه الجرائم.”

ويعتقد زويغننبرغ أنه حتى لو لم تؤد تحقيقات المصادر المفتوحة دائمًا إلى محاكمات فعلية في البلدان الأصلية التي ارتكبت فيها الجرائم، فإنها لا تزال مفيدة: “هناك زيادة في مشاركة النشطاء الشباب في أماكن مثل العراق في هذه الأنشطة، ويمكن استخدام هذه الأدوات للضغط على الحكومة المحلية أيضا “.

كاثرين شاير/ع.ح





المصدر

اضف تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

scroll to top