زيارة معسكر أوشفيتز لطلاب المدارس للتذكير بجرائم النازية

0


“كانت لدي رغبة كبيرة للقيام بهذه الرحلة”، تقول كارا البالغة من العمر 17 عامًا. كارا التي تعيش بمدينة كيربين بالقرب من كولونيا زارت مع زملائها بالمدرسة الموقع التذكاري لمعسكر الاعتقال والإبادة النازي أوشفيتز-بيركيناو بمدينة أوسفيانجيم البولندية.

وقد تحدثت مع طلاب آخرين في مقابلة مع المانيا اليوم، وأوضحت وهي مستغرقة في التفكير بهدوء “أتجول في المعسكر، ثم أشعر بأن الأشخاص الذين كانوا مسجونين هناك، والذين عوملوا بشكل رهيب، وقفوا في نفس المكان قبل 80 عامًا”.

أسوأ معسكرات الاعتقال

الطلاب الذين زاروا الموقع التذكاري لمعسكر الاعتقال والإبادة الألماني السابق أوشفيتز-بيركيناو ينتمون لمدرسة “فيلي برانت” في مدينة كيربين، التي يبلغ عدد سكانها 67000 نسمة والتي تربطها منذ عام 1967 توأمة مع مدينة أوسفيانجيم البولندية.

على أطراف مدينة أوسفيانجيم يقع الموقع التذكاري لأكبر وأسوأ معسكرات الاعتقال في العصر النازي. هنا قتل الألمان حتى عام 1945 أكثر من مليون شخص، معظمهم من اليهود، حيث أصبح معسكر أوشفيتز رمزا للإبادة الممنهجة.

داخل النصب التذكاري لأوشفيتز، بولندا
داخل النصب التذكاري لأوشفيتزصورة من: Friso Gentsch/dpa/picture alliance

الرحلة المدرسية أتاحت الفرصة لهؤلاء الطلاب في سن 17 أو 18  للتواجد بهذا المكان المرعب، الذي يعتبر مسرحا لجريمة ضد الإنسانية. كارا وإلياس و20 من زملائهم بالمدرسة استعدوا منذ خريف العام الماضي للإقامة لمدة أسبوع تقريبًا في مركز دولي للشباب في أوسفيانجيم/أوشفيتز.

وتشرح المعلمة كاترين كوزنيك، التي نظمت مثل هذه الرحلات عدة مرات، أن “المشاركة طوعية، حيث  يتقدم التلميذ بطلب لهذا المشروع، وفي بعض الأحيان يتعين علينا الاختيار بين المرشحين”.

وتؤكد كوزنيك أيضا أن الأمر يشكل تحديا للمعلم، لكن الطلاب والطالبات يكونون مستعدين لاكتشاف المكان وقادرين على التعامل مع تلك التجارب بشكل جيد، من خلال المناقشات الجماعية أيضا. وتضيف “إنها مسؤولية كبيرة للمرافقين، لكن حتى الآن سارت الأمور دائما بشكل جيد”.

ألمانيا والتطرف اليميني وإحياء الذكرى

شهدت ألمانيا خلال حقبة النازية جرائم مروعة تمثلت في قتل ملايين اليهود في المحرقة واضطهاد وقتل السنتي والروما (الغجر) والمثليين والمعارضين السياسيين وممثلي الكنائس ذوي الأفكار الجريئة بالإضافة إلى مدنيين.

والآن وبعد مرور ما يقرب من 80 عاما على تحرير ألمانيا من النازية، تعيش البلاد حالة من  القلق الكبير بسبب تنامي القوى اليمينية المتطرفة وصعود حزب “البديل من أجل ألمانيا”.

وهنا تطرح الكثير من الأسئلة من قبيل: كيف تحافظ الدولة على هذه الذكريات حية؟ أين هو التذكير الدائم عندما يلزم آخر الناجين الصمت؟ كيف يمكن تنمية المسؤولية بشكل يتجاوز الخطب الرسمية في أيام الذكرى؟

ذكرت منظمة “كلايمز كونفرنس” (مؤتمر المطالب) التي تضم منظمات يهودية في تقرير أن 245 ألف ضحية للهولوكوست ما زالوا على قيد الحياة في جميع أنحاء العالم، منهم 14200 في ألمانيا. معظمهم من كبار السن وغالباً ما يحتاجون إلى الرعاية ولم يعد بإمكان الكثير منهم الظهور في الحياة العامة، بخلاف مارغوت فريدلاندر والتي على الرغم من بلوغها عامها الـ 101 إلا أنها لا تزال تواظب على الظهور أمام الرأي العام. ويعتبر كل ظهور للناجين من معسكرات الاعتقال بمثابة لحظة عظيمة من المشاعر تجاه حياتهم وشهادتهم وما يرمزون له من حقبة صعبة في تاريخ ألمانيا.

كريستوف هوبنر، الذي ساعد في التخطيط لبناء مركز التقاء الشباب في أوسفيانجيم في الثمانينيات والذي يعيش في برلين، يشغل منذ فترة طويلة منصب نائب رئيس لجنة أوشفيتز الدولية (IAK). القليل من الناس يعرفون عدد الناجين من المحرقة في ألمانيا مثله. وعندما يصف طريقة حضور الناجين من الهولوكست في المدارس أو في المناسبات التذكارية، يستخدم عبارة أصبحت نادرة اليوم وهي “السخاء”.  ويوضح ذلك بالقول: “هناك جزء في حياتهم الداخلية لا يمكننا اختراقه، ويحتفظون به لأنفسهم. فقدوا أسرهم بالكامل، فقدوا الأخت الصغيرة والوالدين… لكن في مشاركة آلامهم، فهم أسخياء مع الأشخاص الذين يعيشون اليوم “.

“مبادئ توجيهية لحماية الديمقراطية”

يرى هوبنر أنه “من المحزن بالطبع أن نفقد الكثير من الناس”. فقد أصبح من الواضح، خاصة في السنوات الأخيرة، مدى أهمية المحادثات الشخصية مع الناجين بالنسبة للعديد من الأشخاص في ألمانيا، وخاصة الشباب. وأيضاً للتذكير و”دليل لحماية الديمقراطية والحفاظ عليها”.

كريستوف هوبنر، نائب رئيس لجنة أوشفيتز الدولية (IAK)
كريستوف هوبنر، نائب رئيس لجنة أوشفيتز الدولية (IAK)صورة من: Christoph Soeder/dpa/picture alliance

رغم ذلك لا يبدو هوبنر متشائما في مقابلة مع المانيا اليوم. فهو “ليس قلقا كثيرًا بخصوص استمرار الأعمال التي يقوم بها”. وبحسب قوله فإنّ كل جيل وكل فئة عمرية تبدأ من جديد في التعامل مع الموضوع وتُصدم به “بمعنى إيجابي أي كرد فعل عاطفي وفكري”. وقد يتم ذلك من خلال مقاربة فنية كمشاهدة فيلم مثلا أو قراءة كتاب، أو زيارة نصب تذكاري. وسيجد كل جيل جديد طريقه للتعمق مع هذه القصص الإنسانية، كما يؤكد هوبنر.

يعتبر مانفريد ديسليرز (68 عامًا) أحد المتحدثين إلى الشباب الذين يزرون معسكر أوشفيتز. يعيش القس الكاثوليكي المنحدر من مدينة آخن الألمانية في أوسفيانجيم منذ أكثر من 30 عامًا. حاليا يجري نشر كتاب ألفه بيوتر زيلكا عن شهادة ديلسيرز بعنوان “لمس جرح أوشفيتز – كاهن ألماني يروي”، وهو مترجم عن اللغة البولندية.

وبالنسبة لديسليرز، الذي يحظى عمله بالتقدير والتكريم على قدم المساواة في بولندا وألمانيا، فإن زيارة النصب التذكاري هذه الأيام “لا تتعلق بالمعرفة فحسب، بل تتعلق برسالتنا: كيف ينبغي لنا أن نعيش، حتى يمكننا أن ننظر إلى الناجين في أعينهم بضمير مرتاح؟”

القس الكاثوليكي الألماني مانفريد ديسليرز
القس الكاثوليكي الألماني مانفريد ديسليرز صورة من: Kyodo/picture alliance

جميع الشباب الذين أتوا إلى أوشفيتز، سواء من ألمانيا أو بولندا أو إسرائيل، بما في ذلك الشباب من أصول مهاجرة، شعروا أن “الأمر لا يتعلق فقط بالحزن على معاناة الماضي وتكريم الموتى، بل يتعلق بالدعوة إلى تحمل المسؤولية في عالمنا المشترك”، يوضح ديسليرز في مقابلة مع المانيا اليوم. ويضيف أن الذكرى تعني أيضًا أنه “لقد حدث ذلك، إذن كان ممكنًا، إذن فهو ممكن أن يحدث مرة أخرى. إن أوشفيتز يوضح  أبعاد مسؤوليتنا”.

“فهم أعمق بكثير”

يشرح الطالب إلياس (18 عامًا) بوضوح أن أوشفيتز ليس متحفًا. فالمتحف هو “مكان للعيون. أنت تتجول وترى وتدرك أشياء مادية”. أمّا أوشفيتز فيتم استيعابه بطريقة مختلفة تمامًا، “يتم هنا تكوين فهم أعمق بكثير”.  تجربة زيارة معسكر أوشفيتز والاستعداد لذلك “يساعدانك على أن تكون قادرًا على التعامل مع هذا الموضوع الصعب بطبيعته وإثراءه بطريقة ما”، يؤكد إلياس.

وتصف زميلته تمارا (18 عامًا) أنه “من المهم بالتأكيد” منح الطلاب الفرصة لزيارة مثل هذا المكان. ليس بالضرورة أن يكون أوشفيتز، وإنما يكون نصبا تذكاريا أو معسكر اعتقال سابقا. وهذا “شيء مختلف تمامًا” عن مجرد دروس التاريخ.

زيارة موقع تذكاري من الحقبة النازية ليس بالأمر الإلزامي في المدارس الألمانية. في بعض الأحيان، تأتي دعوات من أطراف سياسية للقيام بذلك لكن الخبراء يحذرون بهذا الخصوص. ومع ذلك، فإن العديد من المدارس على غرار مدرسة “فيلي برانت” بمدينة كيربين تقوم بإعداد وتنفيذ مثل هذه الزيارات.

في عام 2014، قدم مؤتمر وزراء التعليم والشؤون الثقافية (KMK)، الذي يجمع وزراء التعليم في الولايات الألمانية الـ16، “توصيات بشأن ثقافة التذكير كهدف للتعليم التاريخي السياسي في المدارس”، حيث تندرج ضمنها أيضا الزيارات إلى المواقع التذكارية مثل معسكر أوشفيتز .

في بداية ديسمبر/ كانون الأول 2023، وبعد شهرين من الهجوم الذي شنته حركة حماس، الإسلاموية المتطرفة على إسرائيل، والتي تصنفها ألمانيا والاتحاد الأوروبي ودول أخرى كمنظمة إرهابية، أصدر مؤتمر وزراء التعليم والشؤون الثقافية بيانًا شاملاً حول التدابير المتخذة ضد معاداة السامية والعداء لإسرائيل. كما دعا المؤتمر إلى وجود أقوى للحياة اليهودية ووجهات النظر اليهودية – وإلى ترسيخ منهجي لتدريس المعارف حول معاداة السامية وتاريخ اليهود وحاضرهم.

الأمر أصبح أكثر أهمية

سيعود الطلاب الذين زاروا معسكر أوشفيتز إلى مدينتهم كيربين متأثرين بانطباعاتهم التي تكونت لديهم هناك. وتقول المعلمة كوزنيك، من المهم  أن “يلمس أولياء الأمور، وكذلك الطلاب، مدى أهمية هذه الرحلة”. ربما بالنظر للوضع السياسي، أصبحوا يدركون “أن زيارة النصب التذكاري أصبحت أكثر أهمية مما كانت عليه قبل بضع سنوات”.

أعده للعربية: هشام الدريوش

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});
اضف تعليق
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.